تراجع استخدام الستيرويدات بين المراهقين… لكن البدائل الجديدة تثير قلق الخبراء

 تراجع استخدام الستيرويدات بين المراهقين… لكن البدائل الجديدة تثير قلق الخبراء

شهدت السنوات الأخيرة تغيرًا ملحوظًا في سلوك المراهقين تجاه المواد المستخدمة لتحسين الأداء الرياضي وبناء العضلات. فبعد عقود من القلق المتزايد بشأن انتشار الستيرويدات الابتنائية بين الشباب، أظهرت دراسة أمريكية حديثة تراجعًا واضحًا في معدلات استخدامها، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشرًا إيجابيًا يعكس نجاح حملات التوعية الصحية وزيادة إدراك المراهقين للمخاطر المرتبطة بهذه المواد. إلا أن هذا التطور الإيجابي ترافق مع ظاهرة أخرى أثارت اهتمام المختصين، تتمثل في الارتفاع السريع لاستخدام بعض المكملات الغذائية، وعلى رأسها الكرياتين، الأمر الذي فتح نقاشًا جديدًا حول صحة المراهقين وتأثير ثقافة المظهر الجسدي واللياقة البدنية عليهم.

اعتمدت الدراسة على بيانات جُمعت على مدى أكثر من عشرين عامًا من طلاب المدارس الثانوية في الولايات المتحدة، بهدف متابعة التغيرات في أنماط استخدام المواد المرتبطة ببناء العضلات وتحسين الأداء الرياضي. وأظهرت النتائج أن استخدام الستيرويدات الابتنائية انخفض بشكل ملحوظ مقارنة ببداية الألفية، وهو ما يعكس تغيرًا في نظرة الشباب إلى هذه المواد التي ارتبطت لفترة طويلة بتحقيق نتائج سريعة على حساب الصحة.

وتُعرف الستيرويدات الابتنائية بأنها مركبات صناعية تشبه هرمون التستوستيرون الذكري، وتُستخدم لزيادة الكتلة العضلية وتحسين الأداء البدني. ورغم فعاليتها في تحقيق نمو سريع للعضلات، فإنها ترتبط بالعديد من المخاطر الصحية التي قد تكون خطيرة، خاصة لدى المراهقين الذين لا تزال أجسامهم في مرحلة النمو. وتشمل هذه المخاطر اضطرابات هرمونية، ومشكلات في القلب والأوعية الدموية، وأضرارًا في الكبد، بالإضافة إلى تغيرات نفسية وسلوكية مثل العدوانية وتقلبات المزاج والقلق.

ويرى الباحثون أن تراجع استخدام الستيرويدات بين المراهقين يعود إلى عدة عوامل، من أبرزها حملات التوعية المستمرة التي ركزت على مخاطر هذه المواد، إضافة إلى التشريعات التي تنظم تداولها، وتزايد الوعي الصحي لدى الشباب والأهالي. كما لعبت المدارس والمؤسسات الرياضية دورًا مهمًا في نشر ثقافة الاعتماد على التدريب والتغذية السليمة بدلًا من اللجوء إلى المواد التي قد تهدد الصحة على المدى الطويل.

في المقابل، كشفت الدراسة عن ارتفاع ملحوظ في استخدام الكرياتين خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بين المراهقين المهتمين بالرياضة وبناء العضلات. والكرياتين مادة طبيعية توجد في الجسم وتُخزن في العضلات، كما يمكن الحصول عليها من بعض الأطعمة أو من خلال المكملات الغذائية. ويُستخدم هذا المكمل على نطاق واسع بين الرياضيين نظرًا لدوره في دعم الأداء البدني خلال التمارين عالية الشدة والمساعدة في زيادة القوة العضلية.

ورغم أن الكرياتين لا يُصنف ضمن المواد المحظورة ولا يحمل المخاطر نفسها المرتبطة بالستيرويدات، فإن تزايد استخدامه بين المراهقين أثار قلق عدد من الخبراء. فمعظم الدراسات التي أكدت سلامة الكرياتين أُجريت على البالغين، في حين لا تزال المعلومات المتعلقة بتأثيراته طويلة المدى على المراهقين محدودة نسبيًا. لذلك يرى المختصون أن استخدامه في هذه المرحلة العمرية يجب أن يتم بحذر وتحت إشراف مختصين عند الحاجة.

ولا يتعلق القلق بالكرياتين وحده، بل بالثقافة التي تدفع بعض المراهقين إلى البحث المستمر عن وسائل تساعدهم على تحسين مظهرهم الجسدي أو زيادة كتلتهم العضلية بسرعة. فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مليئة بالمحتوى الذي يروج لأجسام مثالية ومعايير جمالية يصعب تحقيقها بشكل طبيعي، مما يدفع بعض الشباب إلى تجربة المكملات الغذائية أو المنتجات المختلفة دون معرفة كافية بفوائدها أو مخاطرها.

كما لاحظ الباحثون أن الاهتمام المتزايد بالمظهر الخارجي لم يعد يقتصر على الذكور فقط، بل أصبح يشمل الإناث أيضًا، حيث أظهرت النتائج ارتفاعًا في استخدام الكرياتين بين الفتيات خلال السنوات الأخيرة. ويعكس ذلك اتساع تأثير ثقافة اللياقة البدنية والصورة المثالية للجسد على مختلف فئات المراهقين.

ويحذر الخبراء من أن اللجوء إلى المكملات الغذائية دون استشارة طبية قد يؤدي إلى استخدام جرعات غير مناسبة أو إلى الاعتماد على منتجات غير موثوقة. كما أن بعض المراهقين قد يعتقدون أن أي منتج يُباع على أنه “مكمل غذائي” هو آمن تمامًا، وهو اعتقاد قد لا يكون صحيحًا دائمًا، خاصة في ظل وجود منتجات متفاوتة الجودة في الأسواق.

من هنا تبرز أهمية دور الأهل في متابعة المعلومات التي يتلقاها أبناؤهم حول الصحة والرياضة، ومساعدتهم على بناء صورة إيجابية ومتوازنة عن أجسامهم. كما تلعب المدارس والمؤسسات الصحية دورًا أساسيًا في تعزيز الوعي حول أهمية التغذية السليمة والنشاط البدني المنتظم بوصفهما الأساس الحقيقي للصحة واللياقة.

وفي الوقت الذي يُعد فيه انخفاض استخدام الستيرويدات بين المراهقين خطوة إيجابية ومشجعة، فإن ارتفاع استخدام المكملات الغذائية يذكّرنا بأن التحديات لا تزال قائمة. فالمطلوب اليوم ليس فقط الحد من استخدام المواد الضارة، بل أيضًا تعزيز ثقافة صحية تقوم على المعرفة العلمية والاعتدال، وتساعد الشباب على تحقيق أهدافهم الرياضية والجسدية بطرق آمنة تحافظ على صحتهم الجسدية والنفسية على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة