أطفالك لن يبقوا صغارًا إلى الأبد.. عيشي اللحظة قبل أن تصبح ذكرى
في خضمّ تفاصيل الحياة اليومية، قد تمرّ بعض أجمل لحظات الأمومة من دون أن ننتبه إلى قيمتها. نستيقظ على بكاء طفل، وننهي يومنا وسط الفوضى والأسئلة والطلبات المتكررة، وبينهما نحاول إنجاز العمل، وترتيب المنزل، وإعداد الطعام، ومتابعة الدراسة، والاهتمام بكل ما يحتاج إليه أفراد الأسرة.
وفي لحظات التعب، قد تتمنى الأم أن يكبر أطفالها قليلًا؛ أن يناموا طوال الليل، وأن يعتمدوا على أنفسهم، وأن يتوقفوا عن طلب المساعدة في كل صغيرة وكبيرة. تبدو تلك الأمنية طبيعية، خصوصًا عندما يكون الإرهاق أكبر من القدرة على الاحتمال.
لكن ما لا ندركه غالبًا هو أن هذه المرحلة التي نتمنى أحيانًا أن تنتهي سريعًا، هي نفسها المرحلة التي قد نشتاق إليها يومًا.
ما نراه تعبًا اليوم قد يصبح ذكرى غدًا
يكبر الأطفال بسرعة أكبر مما نتخيل. فالطفل الذي يطلب منك اليوم أن تلعبي معه، سيصبح يومًا قادرًا على قضاء وقته بعيدًا عنك. والذي يصرّ على الجلوس إلى جانبك قبل النوم، قد يكبر ليصبح أكثر استقلالًا، وله عالمه الخاص وأصدقاؤه واهتماماته.
حتى الأسئلة التي لا تنتهي، والقصص التي نسمعها للمرة العاشرة، والطلبات الصغيرة التي تتكرر طوال اليوم، قد تتحول مع مرور السنوات إلى تفاصيل نفتقدها.
غالبًا ما ننظر إلى مراحل الطفولة باعتبارها سلسلة من المسؤوليات التي يجب تجاوزها: الاستيقاظ ليلًا، إطعام الطفل، تعليمه الاعتماد على نفسه، مساعدته في واجباته، اصطحابه إلى المدرسة، التعامل مع نوبات غضبه، والإجابة عن أسئلته المتواصلة.
لكن التركيز المستمر على انتهاء هذه المراحل قد يجعلنا نغفل عن أهم ما يحدث خلالها: الطفل نفسه وهو يكبر أمام أعيننا.
الطفولة لا تتكرر
الأمومة ليست قائمة طويلة من المهام التي ينبغي إنجازها، بل هي أيضًا لحظات صغيرة تتشكل منها ذاكرة الطفل وذاكرة والديه.
حضن قبل النوم، قبلة على الجبين، ضحكة مشتركة، لعبة بسيطة على أرض الغرفة، قراءة القصة نفسها للمرة العاشرة، أو الاستماع باهتمام إلى حكاية تبدو لنا عادية؛ قد تكون بالنسبة إلى الطفل لحظات عميقة الأثر، لأنها تمنحه شعورًا بالأمان والحب والانتماء.
ولهذا، عندما يأتي طفلك ليطلب منك اللعب، حاولي ألا تنظري إلى الأمر باعتباره عبئًا إضافيًا. وعندما يعود من المدرسة متحمسًا ليخبرك بتفصيل صغير حدث خلال يومه، امنحيه انتباهك الحقيقي، حتى لو كنتِ مشغولة.
ليس المطلوب أن تكون الأم متاحة طوال الوقت، ولا أن تتخلى عن حاجتها إلى الراحة من أجل أطفالها. فالأم أيضًا إنسانة تحتاج إلى وقت لنفسها، وإلى النوم والراحة والدعم والمساعدة. والأمومة الصحية لا تقوم على الاستنزاف أو المثالية، بل على التوازن.
المطلوب فقط أن ننتبه إلى قيمة اللحظات التي نعيشها، بدل أن نقضي سنوات الطفولة ونحن ننتظر المرحلة التالية.
لا تنتظري أن يكبروا حتى تدركي قيمة هذه الأيام
سيكبر الأطفال، وهذه حقيقة لا يمكن إيقافها. ستتغير احتياجاتهم، وستزداد استقلاليتهم، وستتسع دوائرهم الاجتماعية، وسيصبح لهم عالم خاص بهم بعيدًا عن أحضان الأسرة.
وهذا أمر جميل وطبيعي، لكنه يعني أيضًا أن بعض اللحظات التي نعيشها اليوم لن تعود بالطريقة نفسها.
قد تتعبين من الفوضى، ومن كثرة الأسئلة، ومن سماع اسمك عشرات المرات في اليوم. قد تشعرين أحيانًا أنك بحاجة إلى ساعة واحدة فقط من الهدوء. وهذا لا يجعلك أمًا سيئة، بل يجعلك إنسانة لديها طاقة محدودة وتحتاج إلى الراحة.
لكن وسط هذا التعب، توقفي أحيانًا وتذكّري الصورة الأكبر.
هذا الطفل الذي يطلبك الآن في كل لحظة لن يبقى طفلًا إلى الأبد. اليد الصغيرة التي تبحث عن يدك اليوم ستكبر. والصوت الذي يناديك من الغرفة الأخرى سيصبح يومًا أكثر استقلالًا. والسرير الذي تجلسين إلى جانبه كل ليلة قد يصبح فارغًا من تلك التفاصيل الصغيرة التي اعتدتِ عليها.
لذلك، لا تجعلي انتظار المستقبل يحرمك من الحاضر.
استمتعي باللحظات البسيطة قدر استطاعتك. اضحكي معهم، استمعي إلى قصصهم، احتضنيهم عندما يحتاجون إليك، والتقطي في ذاكرتك تلك التفاصيل التي تبدو عادية الآن.
فالأيام التي تتمنين أحيانًا أن تمرّ بسرعة، قد تصبح يومًا من أجمل الأيام التي تتمنين لو استطعتِ العودة إليها.
أطفالك لن يبقوا صغارًا إلى الأبد.
ولهذا، لا تنتظري أن تنتهي هذه المرحلة حتى تدركي جمالها. عيشيها الآن، بكل ما فيها من تعب وفوضى وضحك ودموع، لأن ما يبدو اليوم يومًا عاديًا في حياة أسرتك، قد يصبح غدًا ذكرى ثمينة تتمنين لو عشتِها مرة أخرى.
