هل أصبح الجيل الجديد أقل ذكاءً أم أقل حاجة إلى التفكير؟

 هل أصبح الجيل الجديد أقل ذكاءً أم أقل حاجة إلى التفكير؟

على مدى معظم القرن العشرين، كان الأبناء يحققون نتائج أعلى من آبائهم في اختبارات الذكاء. وقد عُرفت هذه الظاهرة باسم «تأثير فلين»، نسبةً إلى الباحث جيمس فلين. وتشير هذه الظاهرة إلى ارتفاع متوسط نتائج اختبارات الذكاء في عدد من المجتمعات بمعدل يقارب ثلاث نقاط كل عشر سنوات.

لكن هذا الاتجاه بدأ يتغير خلال العقود الأخيرة. فقد أظهرت دراسة واسعة شملت نحو 730 ألف شاب نرويجي أن ارتفاع نتائج الذكاء بلغ ذروته لدى المولودين في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ثم بدأ بالتراجع تدريجيًا. وتشير بعض التقديرات إلى انخفاض يقارب 0.3 نقطة في معدل الذكاء مع كل سنة ميلاد.

ولم تقتصر هذه الملاحظات على فئة أو مجتمع واحد، إذ ظهر النمط نفسه بين الإخوة، مما يرجح أن تكون العوامل البيئية والتعليمية من بين الأسباب الرئيسية لهذا التراجع، إلى جانب العوامل الجينية. فأساليب التعليم، ونمط الحياة، والبيئة الأسرية، وطبيعة استخدام التكنولوجيا، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في تطور القدرات العقلية والمعرفية.

وفي الولايات المتحدة، أظهرت دراسة نُشرت عام 2023 تراجعًا، بين عامي 2006 و2018، في عدد من القدرات، من بينها الاستدلال اللفظي وحل المشكلات، وكان الانخفاض أوضح لدى الفئة العمرية بين 18 و22 عامًا. كما سجل برنامج التقييم الدولي للطلاب «PISA» عام 2022، مقارنةً بنتائج عام 2018، انخفاضًا بنحو 15 نقطة في الرياضيات و10 نقاط في القراءة. ولا شك في أن جائحة كورونا أسهمت في جزء من هذا التراجع، لكنها لا تفسر بالضرورة جميع أسبابه.

ومع ذلك، لا يمكن الجزم علميًا بأن جيل «زد» هو «أغبى جيل في تاريخ البشرية»، لأن قياس الذكاء عبر تاريخ الإنسان كله أمر غير ممكن. كما أن اختبارات الذكاء لا تقيس جميع أشكال القدرات الإنسانية، ولا يمكن إجراء مقارنة عادلة بين الأجيال من دون مراعاة اختلاف الظروف التعليمية والاجتماعية والاقتصادية، فضلًا عن التغيرات التي طرأت على طبيعة الاختبارات نفسها.

والمؤكد، وفقًا لهذه المعطيات، أن ظاهرة جديدة ظهرت في عدد من الدول، تتمثل في توقف التحسن المعرفي الذي استمر لعقود، بل وانعكاسه أحيانًا. ويُعرف هذا التحول باسم «تأثير فلين المعكوس».

لكن المفارقة أن الجيل الجديد يحمل في هاتفه أكبر مكتبة معرفية عرفتها البشرية. فهو لا يحتاج إلى حفظ رقم طويل، أو قراءة خريطة ورقية، أو البحث لساعات في موسوعة، إذ يستطيع الوصول إلى المعلومة خلال ثوانٍ. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبحت بعض المهام، مثل الكتابة والحساب والتلخيص، تُنجز آليًا أيضًا.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل أصبح هذا الجيل أقل ذكاءً فعلًا، أم أنه أصبح أقل حاجة إلى استخدام بعض مهارات التفكير والحفظ التي كانت ضرورية لدى الأجيال السابقة؟

قد لا تكون الإجابة بسيطة. فالتكنولوجيا لا تلغي الذكاء بالضرورة، لكنها تعيد تشكيل الطريقة التي نستخدم بها قدراتنا العقلية. وربما يتحول التحدي اليوم من حفظ المعلومات إلى القدرة على فهمها، والتحقق من صحتها، وربطها ببعضها، ثم توظيفها في حل المشكلات واتخاذ القرارات.

لذلك، لا تكفي البيانات المتاحة لوصف جيل كامل بأنه أقل ذكاءً من الأجيال السابقة. غير أن تراجع نتائج بعض الاختبارات في عدد من الدول يمثل إشارة تستحق الدراسة، خصوصًا عندما يتزامن مع تغيرات كبيرة في أساليب التعليم، ونمط الحياة، والاستخدام اليومي للتكنولوجيا.

ومن هنا، فإن السؤال الأدق ليس: «هل أصبح الجيل الجديد غبيًا؟»، بل: «هل نعمل على تنمية قدرته على التفكير، أم نكتفي بتزويده بإجابات فورية؟»

فامتلاك المعلومات لا يعني بالضرورة امتلاك المعرفة، والوصول السريع إلى الإجابة لا يغني عن فهم السؤال. وربما يكون التحدي الحقيقي أمام الجيل الجديد ليس نقص المعلومات، بل القدرة على التفكير بعمق في عالم أصبحت فيه الإجابات متاحة بضغطة زر.

مقالات ذات صلة