هل يستطيع الرضيع الكذب؟
قد يعتقد كثير من الآباء أن الكذب والخداع سلوكيات لا تظهر إلا عندما يكبر الطفل ويصبح قادرًا على فهم القواعد الاجتماعية والعواقب. لكن أبحاثًا حديثة تشير إلى أن بعض أشكال الخداع قد تظهر في عمر أبكر بكثير مما كان يُعتقد، حتى لدى بعض الأطفال في عمر ثمانية أشهر.
ولا يعني ذلك أن الرضيع يستطيع الكذب بالمعنى الذي نعرفه لدى الأطفال الأكبر سنًا، أو أنه يتصرف بخبث أو يحاول التلاعب بوالديه. فالسلوكيات التي تظهر في هذه المرحلة قد تكون جزءًا من التطور الطبيعي للدماغ، ومن اكتساب الطفل تدريجيًا القدرة على فهم الآخرين والتنبؤ بردود أفعالهم.
ماذا يعني الخداع لدى الرضع؟
يختلف الخداع لدى الرضع والأطفال الصغار عن الكذب المتعمد الذي يظهر في مراحل لاحقة من الطفولة. ففي هذه السن، قد يحاول الطفل إخفاء شيء أو تغيير سلوكه بهدف الحصول على ما يريد أو تجنب نتيجة لا يرغب فيها.
وقد تظهر هذه التصرفات بطرق بسيطة جدًا. فقد يبكي الرضيع للحصول على اهتمام والديه أو لكي يحمله أحدهما، ثم يتوقف عن البكاء بعد تحقيق ما يريد. وقد يحاول طفل صغير إخفاء شيء حصل عليه عندما يلاحظ اقتراب أحد والديه، أو يتصرف بطريقة توحي بأنه لم يفعل شيئًا معينًا.
ورغم أن هذه التصرفات قد تبدو طريفة للوالدين، فإنها قد تكشف في الوقت نفسه عن تطور مهم في القدرات العقلية والاجتماعية للطفل.
ماذا كشفت الدراسة؟
استندت الدراسة إلى إجابات آباء لأكثر من 750 طفلًا، تراوحت أعمارهم بين الولادة و47 شهرًا، بهدف التعرف إلى السلوكيات المرتبطة بالخداع والكذب في مراحل الطفولة المبكرة.
وأشار الباحثون إلى أن بعض المؤشرات على فهم الطفل للخداع ظهرت لدى أطفال في عمر ثمانية أشهر. كما أشارت النتائج إلى أن نحو ربع الأطفال قد يبدأون في فهم مفهوم الخداع عند عمر 18 شهرًا، بينما قد تظهر لديهم بعض السلوكيات الخداعية في عمر يقارب 16 شهرًا.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه النتائج بحذر، إذ اعتمدت الدراسة على ملاحظات الوالدين وتقاريرهم عن سلوك أطفالهم، ولم تعتمد على مراقبة مباشرة لكل طفل. لذلك، لا يمكن القول إن الرضيع في عمر ثمانية أشهر يمتلك مفهوم الكذب نفسه الذي يمتلكه طفل أكبر سنًا.
لماذا قد يخدع الطفل والديه؟
قد يبدو الخداع في البداية سلوكًا سلبيًا، لكنه قد يكون في بعض الحالات مؤشرًا على تطور القدرات العقلية والاجتماعية لدى الطفل.
فعندما يحاول الطفل إخفاء شيء عن والديه، فإنه يبدأ تدريجيًا في إدراك أن الشخص الآخر قد لا يعرف ما يعرفه هو. كما يحتاج إلى توقع ما قد يفعله الوالد أو كيف يمكن أن يتصرف إذا اكتشف الحقيقة.
وتتطلب هذه العملية قدرًا من التفكير في أفكار الآخرين ومعلوماتهم، وهي مهارة تتطور تدريجيًا خلال السنوات الأولى من حياة الطفل.
لذلك، لا ينبغي تفسير كل سلوك من هذا النوع على أنه تلاعب متعمد أو علامة على سوء السلوك. فالطفل في هذه المرحلة يتعلم باستمرار كيفية التواصل مع الآخرين، وكيفية الحصول على ما يحتاج إليه، وكيفية فهم البيئة المحيطة به.
هل يجب أن يقلق الوالدان؟
في معظم الحالات، لا داعي للقلق عند ملاحظة مثل هذه التصرفات. ففهم أن بعض أشكال الخداع قد تكون جزءًا من التطور الطبيعي يساعد الوالدين على التعامل معها بهدوء، بدلًا من اللجوء إلى العقاب أو الغضب.
ومن الأفضل أن يحاول الوالدان فهم السبب وراء التصرف، بدلًا من وصف الطفل بأنه “كاذب”. فالسلوك الذي يبدو للبالغين كذبًا متعمدًا قد يكون في الحقيقة محاولة بسيطة للحصول على شيء يريده الطفل، أو لتجنب نتيجة لا يرغب فيها، أو مجرد تجربة لقدراته الجديدة.
كما أن طريقة تعامل الوالدين مع هذه التصرفات يمكن أن تساعد الطفل على تعلم الصدق وفهم الحدود والسلوكيات المقبولة مع تقدمه في العمر.
مرحلة من مراحل النمو
تكشف هذه النتائج جانبًا مثيرًا للاهتمام من تطور الطفل، لكنها لا تعني أن الرضع قادرون على الكذب بالطريقة نفسها التي يكذب بها الأطفال الأكبر سنًا أو البالغون.
فالطفل خلال سنواته الأولى يمر بتغيرات سريعة في قدراته العقلية والاجتماعية، ويتعلم تدريجيًا فهم مشاعره ومشاعر الآخرين، والتنبؤ بردود أفعالهم، واكتشاف الطرق التي تساعده على تحقيق أهدافه.
لذلك، إذا لاحظ الوالدان سلوكًا يبدو وكأنه خداع أو كذب، فمن الأفضل النظر إليه باعتباره جزءًا من رحلة النمو والتعلم، والتعامل معه بهدوء بما يتناسب مع عمر الطفل وقدراته، بدلًا من اعتباره دليلًا على سوء السلوك.
أما إذا كان هناك قلق مستمر بشأن سلوك الطفل أو تطوره أو تفاعله مع الآخرين، فمن الأفضل مناقشة الأمر مع طبيب الأطفال للحصول على تقييم مناسب لعمر الطفل واحتياجاته.
