تأثير استخدام الأهل للهاتف على الأطفال

 تأثير استخدام الأهل للهاتف على الأطفال

قد يظن كثير من الآباء والأمهات أن تأثير التكنولوجيا في الأطفال يرتبط فقط بعدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشات، إلا أن المشكلة قد تبدأ أحيانًا من الطرف الآخر، أي من استخدام الوالدين لهواتفهم أثناء وجودهم مع أطفالهم.

عندما يجلس الأب أو الأم مع طفلهما بينما ينشغلان باستمرار بتصفح الهاتف أو الرد على الرسائل، قد يشعر الطفل بأنه مهمَّش، أو بأن ما يقوله ويفعله ليس مهمًا بما يكفي للحصول على اهتمام والديه. وبالنسبة إلى الطفل، لا يتعلق الأمر دائمًا بسبب استخدام الوالد للهاتف؛ فقد يكون الأب يعمل أو يرد على رسالة ضرورية، لكن الطفل يرى ببساطة أن والده أو والدته منشغل عنه.

ويُعرف هذا النوع من الانقطاع باسم «التدخل التكنولوجي»، ويحدث عندما تتداخل التكنولوجيا مع التفاعلات اليومية بين الوالدين والأطفال. فقد يكون الطفل يتناول الطعام مع أسرته، أو يحاول اللعب مع أحد والديه، أو يريد أن يخبره عن أمر حدث معه، بينما ينشغل الوالد بالنظر إلى شاشة الهاتف. وفي مثل هذه اللحظات، يفقد الطفل جزءًا من التفاعل الذي يحتاج إليه ليشعر بالأمان والاهتمام.

والأطفال يلاحظون انشغال والديهم أكثر مما قد يعتقد الكبار. فعندما يتكرر انشغال الأب أو الأم بالهاتف أثناء التفاعل مع الطفل، قد يحاول الطفل جذب الانتباه بطرق مختلفة؛ فقد يصبح أكثر إلحاحًا، أو يرفع صوته، أو يبكي، أو يتصرف بعصبية، خصوصًا عندما يشعر بأن محاولاته للحصول على اهتمام والديه لا تلقى استجابة.

وفي بعض الحالات، قد يتوقف الطفل عن محاولة جذب الانتباه وينسحب من التفاعل، فيبدو أكثر هدوءًا أو صمتًا. وهذا لا يعني بالضرورة أنه أصبح أكثر استقلالية، بل قد يكون تعبيرًا عن شعوره بأن محاولاته للتواصل لا تلقى الاهتمام الذي يحتاج إليه.

ولا يقتصر الأمر على السلوك، فالهاتف قد يصبح أيضًا حاجزًا أمام التواصل العاطفي بين الطفل ووالديه. فالطفل، وخصوصًا في سنواته الأولى، يتعلم فهم المشاعر من خلال ملاحظة تعابير وجه والديه ونبرة صوتهما ونظراتهما وحركاتهما. وعندما يكون الوالد منشغلًا بالهاتف، قد يقل التواصل البصري والتفاعل الوجهي مع الطفل.

فقد يجلس الأب أمام طفله، لكن عينيه تكونان مثبتتين على الشاشة ووجهه قليل التعبير. والطفل الصغير لا يستطيع دائمًا أن يفهم أن والده منشغل بالعمل أو يرد على رسالة مهمة، بل قد يفسر الموقف بطريقة أبسط: «أبي لا ينتبه إليّ» أو «أمي لا تريد أن تتحدث معي».

ومع تكرار هذه المواقف، خصوصًا عندما يصبح الهاتف حاضرًا في معظم اللحظات التي يفترض أن تكون مخصصة للتواصل الأسري، قد تظهر لدى الطفل بعض السلوكيات، مثل زيادة البكاء والصراخ في محاولة لجذب الانتباه، أو العصبية والسلوك المزعج بسبب عدم قدرته على التعبير بالكلمات عن مشاعره، أو الانسحاب والصمت عندما يشعر بأن محاولاته للتواصل لا تلقى استجابة. كما قد يقلد الطفل والديه، لأن الأطفال يتعلمون بدرجة كبيرة من خلال الملاحظة، فيصبح استخدام الهاتف بالنسبة إليه سلوكًا طبيعيًا ومتكررًا.

ومع ذلك، لا يعني الحديث عن تأثير الهاتف أن على الوالدين التخلي عنه أو أن يكونا متاحين لأطفالهما في كل لحظة. فالوالدان لديهما أعمال ومسؤوليات واتصالات ضرورية، ومن الطبيعي أن يحتاجا إلى استخدام الهاتف خلال اليوم. المطلوب ليس الكمال، بل التوازن وجودة الحضور.

فالطفل لا يحتاج إلى والدين مثاليين، وإنما يحتاج إلى والدين يشعر معهما بأنه محبوب ومسموع وذو قيمة. وبناء علاقة آمنة لا يتطلب أن يكون الوالدان حاضرين بشكل كامل طوال الوقت، وإنما يحتاج إلى لحظات متكررة من التواصل الدافئ والانتباه الحقيقي.

لذلك، عندما يتحدث طفلك معك، أو يحاول اللعب معك، أو يخبرك عن أمر يهمه، حاول أن تضع الهاتف جانبًا قدر الإمكان، وانظر إليه، واستمع إلى حديثه، وتفاعل مع مشاعره. وعند تناول الطعام معًا أو قضاء وقت عائلي، يمكن تخصيص بعض الفترات الخالية من الهواتف، حتى يشعر الطفل بأن وجوده يحظى باهتمام حقيقي.

قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة، لكنها ترسل إلى الطفل رسالة عميقة: «أنت مهم بالنسبة إليّ، وأنا أراك وأسمعك.»

فالهاتف أداة مفيدة وضرورية في حياتنا، لكنه لا ينبغي أن يحرمنا من أهم لحظات التواصل مع أطفالنا. وقد لا يتذكر الأطفال كل مرة استخدم فيها والدهم هاتفه، لكنهم سيتذكرون، بصورة أو بأخرى، كيف جعلهم يشعرون عندما كانوا يحتاجون إلى اهتمامه ووجوده.

مقالات ذات صلة