علامات تشير إلى أن طفلك يتعرض لضغط الأقران وكيف يمكنك مساعدته
يُعد تأثير الأصدقاء والأقران جزءًا طبيعيًا من نمو الطفل، فمع تقدمه في العمر تصبح علاقاته الاجتماعية أكثر أهمية، ويبدأ في الاهتمام بما يفعله الآخرون وما يفكرون فيه، وقد يرغب في تقليدهم أو الحصول على قبولهم. وفي كثير من الأحيان يكون تأثير الأقران إيجابيًا، إذ قد يشجع الأصدقاء الطفل على الدراسة أو ممارسة الرياضة أو المشاركة في أنشطة مفيدة. لكن هذا التأثير قد يصبح سلبيًا عندما يشعر الطفل بأنه مضطر إلى التصرف بطريقة لا تتوافق مع قيمه أو رغباته حتى لا يختلف عن المجموعة.
وقد لا يخبر الطفل والديه مباشرة بأنه يتعرض لضغط من أصدقائه، لذلك من المهم الانتباه إلى التغيرات التي قد تظهر على سلوكه أو مزاجه. فقد يبدأ مثلًا في تجنب المدرسة أو بعض المناسبات الاجتماعية، أو يصبح شديد الاهتمام بمظهره وملابسه، أو يتغير أسلوبه في التصرف والكلام بصورة مفاجئة. وقد يتحدث كثيرًا عن رغبته في أن يكون مثل أصدقائه، أو يعبّر عن شعوره بأنه لا ينتمي إلى المجموعة أو أنه مختلف عن الآخرين.
كما يمكن أن يظهر الضغط في صورة تغيرات عاطفية، مثل القلق أو الحزن أو التوتر، أو صعوبة في النوم، أو زيادة المقارنة بين الطفل وأصدقائه. وقد يصبح أكثر حساسية تجاه مظهره أو يشعر بأنه بحاجة إلى تغيير شكله أو أسلوبه حتى يحظى بالقبول. لكن من المهم عدم افتراض أن هذه العلامات تعني دائمًا وجود ضغط من الأقران؛ فقد تكون مرتبطة أيضًا بالتنمر أو بمشكلات أخرى يمر بها الطفل. لذلك، فإن أي تغير واضح ومستمر في سلوكه أو مزاجه يستحق الانتباه والحوار.
ولا يكون ضغط الأقران سلبيًا دائمًا. فقد يكون للأصدقاء تأثير جيد في الطفل عندما يشجعونه على الالتزام بالدراسة، أو المشاركة في نشاط رياضي، أو تجربة هواية جديدة، أو الابتعاد عن السلوكيات المؤذية. كما يمكن للعلاقات الصحية أن تمنح الطفل الدعم والشعور بالانتماء، وتساعده على اكتساب مهارات اجتماعية جديدة وبناء ثقته بنفسه.
في المقابل، يصبح الأمر أكثر خطورة عندما يُدفع الطفل إلى القيام بأشياء لا يريدها أو يشعر بأنها غير صحيحة بالنسبة إليه. وقد يظهر ذلك في صورة الضغط عليه للتغيب عن المدرسة، أو التنمر على الآخرين، أو المشاركة في سلوكيات خطرة، أو تقليد تصرفات غير مناسبة لعمره. وفي هذه الحالات، قد يشعر الطفل بأنه مضطر إلى الاختيار بين الحفاظ على صداقاته وبين الالتزام بما يعرف أنه صحيح.
ولهذا السبب، من المهم أن يبدأ الأهل بالحديث عن ضغط الأقران قبل أن يواجه الطفل موقفًا صعبًا. يمكن مناقشة مواقف بسيطة معه وسؤاله عما سيفعله إذا طلب منه أحد أصدقائه القيام بشيء لا يريده. ويمكن تدريبه على قول «لا» بطريقة واضحة، وعلى الابتعاد عن الموقف عندما يشعر بعدم الارتياح، وعلى طلب المساعدة من شخص بالغ يثق به.
كما يمكن للوالدين مساعدة الطفل على التفكير مسبقًا في المواقف التي قد يتعرض فيها للضغط، ووضع خطة للتعامل معها. وقد يكون من المفيد الاتفاق على كلمة أو رسالة خاصة يستطيع الطفل إرسالها إلى والديه إذا وجد نفسه في موقف غير مريح ويريد الخروج منه، من دون أن يشعر بأنه مضطر إلى شرح كل التفاصيل أمام أصدقائه في تلك اللحظة. وجود مثل هذه الخطة يمنح الطفل شعورًا بأنه ليس وحده، وأن لديه دائمًا وسيلة آمنة للعودة إلى والديه.
ويظل بناء الثقة بالنفس من أهم الوسائل التي تساعد الطفل على مقاومة التأثير السلبي للأقران. فالطفل الذي يعرف قيمته ويشعر بالثقة بقراراته يكون أكثر قدرة على رفض ما لا يناسبه، حتى عندما يخشى أن يختلف عن أصدقائه. لذلك، من المهم أن يتعلم الطفل أن الاختلاف ليس عيبًا، وأن الصديق الحقيقي لا يجبره على فعل شيء يخالف رغباته أو مبادئه.
ومن المفيد أيضًا أن يساعد الأهل أبناءهم على اختيار علاقاتهم بعناية. فليس المطلوب منع الطفل من تكوين صداقات أو التدخل في كل علاقة، وإنما مساعدته على التمييز بين الصداقة التي تمنحه الدعم والاحترام، والعلاقة التي تجعله يشعر بالخوف أو الضغط أو الحاجة المستمرة إلى إثبات نفسه. ويمكن للأهل أن يسألوه ببساطة: «كيف تشعر عندما تكون مع أصدقائك؟» أو «هل تشعر أنك تستطيع أن تكون نفسك معهم؟».
والأهم أن يعرف الطفل أن الحديث مع والديه لن يؤدي تلقائيًا إلى العقاب أو الغضب. فإذا خاف من رد فعل الأهل، فقد يفضل إخفاء ما يحدث معه. لذلك، حتى عندما يعترف بتصرف خاطئ أو موقف لم يعرف كيف يتعامل معه، يحتاج أولًا إلى أن يشعر بأن والديه سيستمعان إليه ويساعدانه على إيجاد حل آمن.
الخلاصة
لا يستطيع الأهل منع تأثير الأقران عن أطفالهم، ولا ينبغي لهم ذلك؛ فالعلاقات الاجتماعية جزء أساسي من نمو الطفل وتعلمه. لكن يمكنهم تزويده بالثقة والمهارات التي تساعده على التمييز بين التأثير الإيجابي والضغط السلبي، واتخاذ قرارات تتناسب مع قيمه واحتياجاته.
فالهدف ليس أن يكبر الطفل بعيدًا عن تأثير الآخرين، بل أن يتعلم كيف يفكر بنفسه، وكيف يقول «لا» عندما يحتاج إلى ذلك، وكيف يختار أصدقاء يحترمونه ويحترمون حدوده، وأن يعرف دائمًا أن بإمكانه العودة إلى والديه عندما يحتاج إلى المساعدة.
