«دب» و«غبي» و«فاشل»: العنف اللفظي وأثره النفسي على الأطفال
يُعتبر العنف اللفظي من أخطر أشكال العنف الأسري، لما يتركه من آثار نفسية عميقة قد تفوق في خطورتها العنف الجسدي. يحذر المختصون والأطباء النفسيون الآباء والأمهات من الاستهانة بالكلمات الجارحة، مثل: «يا دب»، «غبي»، «روح اذلف»، «كسول» و«فاشل»، إذ يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على نفسية الطفل وتكوّن معتقدات سلبية دائمة لديه.
آثار العنف اللفظي على الطفل
تحمل الكلمات الجارحة تأثيرًا كبيرًا على القيمة الجوهرية للطفل، مثل عبارة «ما منك فائدة»، إذ يمكن أن تتحول إلى معتقدات راسخة تصاحبه مدى الحياة، وتؤثر في نظرته لنفسه، وقدرته على التكيّف مع المحيط، وتحقيق النجاح في المستقبل. وقد كشف أطباء نفسيون عن حالات متعددة للأطفال يعانون من العنف اللفظي المزمن، حيث تظهر عليهم أعراض مثل:
•القلق المستمر والاكتئاب الخفي.
• ضعف الثقة بالنفس.
• صعوبات في التركيز والانتباه.
• الخوف من الفشل أو من التعرض للرفض.
يلاحظ كثير من الأطفال هدوءًا ظاهريًا، بينما يعانون داخليًا من ألم نفسي عميق، ما يترك أثرًا طويل الأمد على حياتهم الشخصية والاجتماعية. كما أظهرت متابعة الحالات أن بعض البالغين الذين يعانون من قلق مزمن أو اكتئاب أو نقد ذاتي حاد، يعود جذور معاناتهم إلى أنماط نفسية تشكلت لديهم في الطفولة نتيجة التعرض المستمر للعنف اللفظي.
التأثيرات العصبية والسلوكية
أظهرت الأبحاث العلمية أن العنف اللفظي المزمن قد يؤدي إلى تغيّرات بنيوية في الدماغ، منها:
• انخفاض حجم الجسم الثفني، وهو الحزمة العصبية التي تربط بين نصفي الكرة المخية الأيمن والأيسر، وتسهم في تنسيق الوظائف الحركية والمعرفية وتبادل المعلومات.
• زيادة نشاط اللوزة الدماغية، التي تتحكم في معالجة العواطف، خصوصًا الخوف والغضب، وتكوين الذكريات العاطفية، والاستجابة للتهديدات عبر إطلاق هرمونات التوتر.
يؤكد الأطباء أن الجهاز العصبي للأطفال يتشكل من خلال التقليد والاكتساب، وأن اعتماد الصراخ والإهانة كأسلوب يومي في التربية ينعكس مباشرة على الحالة النفسية والعصبية للطفل، ويؤثر على سلوكياته المستقبلية، بما في ذلك صعوبة التعامل مع الآخرين، وضعف القدرة على حل المشكلات، وانخفاض مستوى التحمل النفسي والاجتماعي.
الخلاصة
العنف اللفظي ليس مجرد كلمات جارحة تُقال للطفل، بل هو عامل مؤثر يترك آثارًا نفسية وسلوكية عميقة وطويلة الأمد. لذلك، يُعد الوعي بأسلوب التربية واختيار الكلمات بعناية أحد أهم مقومات حماية الطفل من الأذى النفسي، وتعزيز ثقته بنفسه وقدرته على التكيف والنجاح في الحياة. فالأسرة التي تتجنب الإهانات والتوبيخ المستمر، وتبني أسلوبًا تربويًا قائمًا على الدعم والتوجيه الإيجابي، تضمن نمو أطفالها نفسيًا وسلوكيًا بصورة صحية ومتوازنة.
