اكتشاف علمي جديد: الأطفال يبدأون في تمييز اللغة في وقت أبكر مما كان يُعتقد
لطالما اعتقد العلماء أن قدرة الأطفال على فهم اللغة تبدأ بالتشكل تدريجيًا بعد الولادة، مع تعرضهم المستمر للكلمات والأصوات من حولهم. لكن دراسة حديثة تشير إلى أن هذه القدرة قد تبدأ في وقت أبكر بكثير مما كان يُعتقد، حتى قبل أن يبدأ الطفل في نطق كلماته الأولى بوقت طويل.
وكشفت الدراسة أن أدمغة الأطفال حديثي الولادة تكون قادرة على التمييز بين الأصوات والأنماط اللغوية في مرحلة مبكرة جدًا، ما يشير إلى أن استعداد الدماغ لاكتساب اللغة يبدأ منذ الأيام الأولى من حياة الطفل، وربما يكون قد بدأ بالفعل قبل الولادة.
ويُعد هذا الاكتشاف مهمًا لأنه يوضح أن الطفل لا يبدأ رحلة تعلم اللغة عندما ينطق أول كلمة، بل إن الدماغ يكون مستعدًا منذ وقت مبكر لاستقبال اللغة والاستجابة للأصوات التي يسمعها باستمرار.
واعتمد الباحثون في دراستهم على مراقبة نشاط أدمغة أطفال حديثي الولادة أثناء استماعهم إلى كلمات وأصوات مختلفة. وأظهرت النتائج وجود استجابات دماغية تشير إلى أن الأطفال قادرون على التمييز بين بعض الخصائص اللغوية، حتى عندما يكونون في مرحلة لا يستطيعون فيها الكلام أو التعبير عن فهمهم بالطريقة التي يفعلها الأطفال الأكبر سنًا.
وتشير هذه النتائج إلى أن دماغ الطفل يكون أكثر استعدادًا لاستقبال اللغة مما كان يُعتقد سابقًا. فحتى عندما يبدو المولود غير قادر على التفاعل مع الكلام، فإن دماغه يستمع ويتلقى المعلومات ويبدأ في بناء الأساس الذي سيعتمد عليه لاحقًا في فهم اللغة واستخدامها.
وتبدأ هذه العملية من خلال الأصوات التي يسمعها الطفل بصورة متكررة. فعندما تتحدث الأم أو الأب مع الطفل، أو يغنيان له، أو يقرآن له قصة، فإن الطفل يتعرض لأنماط مختلفة من الأصوات والكلمات والإيقاعات. ومع مرور الوقت، تساعد هذه التجارب الدماغ على التعرف إلى اللغة وتمييزها عن الأصوات الأخرى.
ومن اللافت أن الطفل لا يحتاج إلى فهم معنى الكلمات في هذه المرحلة حتى يستفيد من سماعها. فالتعرض المتكرر للغة يساعده أولًا على التعرف إلى الأصوات والإيقاعات والأنماط التي تميز اللغة، ثم تتطور هذه القدرة تدريجيًا مع نموه وتكرار التجارب التي يعيشها.
كما تشير النتائج إلى أهمية الحديث مع الطفل منذ الأيام الأولى، حتى عندما لا يستطيع الرد أو إظهار الفهم بوضوح. فقد يظن بعض الأهل أن التحدث مع المولود لا فائدة منه لأنه لا يستطيع الكلام بعد، إلا أن التواصل اللفظي المبكر يوفر له فرصة للاستماع إلى اللغة والتعرف إلى أصواتها وإيقاعها.
ولا يعني ذلك أن على الأهل تعليم أطفالهم الكلمات أو محاولة تدريبهم على الكلام في هذه المرحلة. فالتواصل الطبيعي واليومي هو كل ما يحتاج إليه الطفل؛ كأن تتحدث الأم معه أثناء إطعامه، أو تصف له ما تفعله أثناء تغيير ملابسه، أو تغني له، أو تقرأ له قصة قصيرة.
وتؤكد هذه النتائج أيضًا أن اكتساب اللغة عملية تبدأ قبل أن يتمكن الطفل من استخدام الكلمات. فالمرحلة التي تسبق الكلام ليست فترة صامتة كما قد تبدو، بل تحدث خلالها عمليات مهمة داخل الدماغ تمهد الطريق للمراحل اللاحقة من تطور اللغة.
ومع نمو الطفل، يبدأ هذا الأساس المبكر في الظهور بصورة أكثر وضوحًا. فيتعلم أولًا الاستجابة للأصوات، ثم يبدأ بالمناغاة وإصدار الأصوات، وبعد ذلك يفهم بعض الكلمات ويستخدمها تدريجيًا. وتختلف سرعة تطور هذه المراحل من طفل إلى آخر، وهو أمر طبيعي.
ولا تعني الدراسة أن جميع الأطفال يتعلمون اللغة بالطريقة نفسها أو بالسرعة نفسها، كما أنها لا تعني أن الطفل يجب أن يبدأ الكلام في عمر محدد لمجرد أن دماغه يستجيب للغة في وقت مبكر. فالتطور اللغوي يمر بمراحل متعددة، ويتأثر بعوامل كثيرة، من بينها نمو الطفل وتفاعله مع المحيطين به والفرص المتاحة له للاستماع والتواصل.
وفي النهاية، يقدم هذا الاكتشاف صورة أعمق عن السنوات الأولى من حياة الطفل، ويؤكد أن الدماغ يبدأ الاستعداد للغة في وقت أبكر مما كان العلماء يتوقعون. فالطفل الذي يبدو مستمعًا صامتًا في أيامه الأولى يكون في الواقع في بداية رحلة طويلة من التعلم والتواصل.
ولهذا، فإن أبسط ما يستطيع الوالدان فعله هو التحدث مع طفلهما والاستماع إلى أصواته والتفاعل معه والقراءة والغناء له. فهذه اللحظات اليومية البسيطة لا تمنحه الشعور بالأمان والقرب فقط، بل توفر أيضًا بيئة غنية بالأصوات والكلمات تساعد دماغه على بناء الأساس الذي سيحتاج إليه عندما يبدأ بفهم اللغة والتحدث بها.
