هل تحدد الجينات موعد مشي الطفل؟ دراسة تكشف دور الوراثة في تطور الحركة
يُعد المشي من أبرز المراحل التي ينتظرها الأهل في نمو طفلهم، وغالبًا ما يبدأون بمقارنة عمر طفلهم بعمر الأطفال من حوله. وقد يثير تأخر الطفل في المشي القلق لدى بعض الآباء، خاصة عندما يبدأ طفل آخر في العائلة أو بين الأصدقاء بالمشي في عمر أصغر. لكن دراسة حديثة تشير إلى أن الجينات قد يكون لها دور أكبر مما كان يُعتقد سابقًا في تحديد الوقت الذي يبدأ فيه الطفل بالمشي.
وجد الباحثون أن العوامل الوراثية يمكن أن تفسر جزءًا من الاختلاف في العمر الذي يبدأ فيه الأطفال المشي بمفردهم. وهذا يعني أن موعد المشي لا يعتمد فقط على البيئة التي ينشأ فيها الطفل أو على مقدار التدريب الذي يحصل عليه، بل قد تتداخل فيه عوامل وراثية موروثة من الوالدين.
وتوصل الباحثون إلى هذه النتائج بعد دراسة بيانات عدد كبير من الأطفال وعائلاتهم، ومقارنة العوامل الوراثية بالعمر الذي بدأ فيه كل طفل المشي. وأظهرت النتائج وجود ارتباط بين بعض الاختلافات الجينية وبين توقيت بداية المشي، ما يشير إلى أن الاستعداد الوراثي يمكن أن يؤثر في تطور المهارات الحركية لدى الطفل.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن الجينات تحدد بشكل دقيق اليوم أو الشهر الذي سيبدأ فيه الطفل المشي. فالتطور الحركي عملية معقدة تتأثر بمجموعة من العوامل، ولا يمكن اختزالها في عامل واحد.
ويختلف الأطفال بصورة طبيعية في موعد اكتسابهم المهارات الحركية. فقد يبدأ طفل بالمشي في عمر مبكر، بينما يحتاج طفل آخر إلى وقت أطول، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود مشكلة في النمو. لذلك، فإن مقارنة الطفل بإخوته أو بأقرانه قد تكون مضللة، لأن لكل طفل وتيرته الخاصة في التطور.
كما أن العوامل المحيطة بالطفل يمكن أن تؤدي دورًا في تطور الحركة. فالطفل يحتاج إلى فرص آمنة للتحرك والاستكشاف، وإلى مساحة تسمح له بالتدرب على الجلوس والزحف والوقوف والتحرك تدريجيًا. وتساعد هذه التجارب على تقوية عضلاته وتطوير التوازن والتنسيق الحركي اللازم للمشي.
ولا يعني ذلك أن على الأهل تدريب الطفل على المشي بطريقة مكثفة أو محاولة دفعه إلى الوقوف قبل أن يكون مستعدًا. فالأفضل هو توفير بيئة آمنة تتيح له الحركة بحرية، وتشجيعه بلطف عندما يحاول الوقوف أو التنقل، مع تجنب الضغط عليه أو مقارنته بالأطفال الآخرين.
وقد يكون للعوامل الصحية والجسدية أيضًا تأثير في تطور الحركة. فبعض الأطفال قد يحتاجون إلى وقت أطول بسبب اختلافات طبيعية في نموهم، بينما قد يرتبط التأخر في بعض الحالات بعوامل تحتاج إلى تقييم من الطبيب. ولهذا، من المهم أن ينظر الأهل إلى تطور الطفل بصورة شاملة، بدل التركيز على موعد المشي وحده.
ومن المهم أيضًا أن يتذكر الأهل أن المشي ليس المهارة الوحيدة التي ينبغي متابعتها. فقبل المشي، يمر الطفل عادةً بمجموعة من المراحل الحركية، مثل التحكم بالرأس، والجلوس، والحبو أو الزحف، ثم الوقوف والاستناد إلى الأشياء ومحاولة التحرك. وتساعد متابعة هذه المراحل بصورة متكاملة على تكوين صورة أوضح عن تطور الطفل.
ويؤكد هذا الاكتشاف أن الاختلاف في موعد المشي بين الأطفال قد يكون جزءًا طبيعيًا من التنوع في النمو. فإذا بدأ أحد الأطفال بالمشي في عمر أبكر من طفل آخر، فهذا لا يعني تلقائيًا أن الطفل الأول أكثر ذكاءً أو أن الطفل الثاني يعاني مشكلة.
كما أن بدء المشي مبكرًا لا يعني بالضرورة أن الطفل سيستمر في التفوق على أقرانه في جميع المهارات الحركية، تمامًا كما أن المشي في عمر متأخر نسبيًا لا يعني أن الطفل سيواجه صعوبات مستقبلية. فكل مرحلة من مراحل النمو لها مسارها الخاص.
لذلك، من الأفضل أن يركز الأهل على توفير الدعم والتشجيع بدلًا من مراقبة عمر الطفل ومقارنته بالآخرين. ويمكنهم وضع ألعاب مناسبة على مسافة قريبة تشجع الطفل على الحركة، وتوفير مساحة آمنة للاستكشاف، والتفاعل معه أثناء محاولاته الجديدة، مع الحرص على إزالة الأشياء التي قد تسبب له السقوط أو الإصابة.
وفي حال شعر الوالدان بأن طفلهم لا يحرز تقدمًا في مهاراته الحركية، أو فقد مهارة كان قد اكتسبها سابقًا، أو ظهرت لديهم مخاوف واضحة بشأن تطوره، فمن الأفضل استشارة طبيب الأطفال. فالتقييم المبكر يساعد على فهم سبب التأخر، إذا كان موجودًا، وعلى تقديم الدعم المناسب للطفل في الوقت المناسب.
الخلاصة
توضح الدراسة أن الجينات قد تلعب دورًا في تحديد توقيت بدء الطفل بالمشي، لكنها ليست العامل الوحيد. فالنمو نتيجة تفاعل معقد بين الوراثة والبيئة والصحة والتجارب اليومية. ولذلك، فإن أفضل ما يمكن أن يقدمه الأهل هو بيئة آمنة ومحفزة، مع منح الطفل الوقت الكافي للتطور وفق وتيرته الخاصة.
فقد يبدأ طفل بالمشي مبكرًا، بينما يحتاج طفل آخر إلى بضعة أشهر إضافية، وكلاهما قد يكون ضمن المسار الطبيعي للنمو. والأهم من الوصول إلى مرحلة المشي في عمر محدد هو أن يستمر الطفل في اكتساب مهاراته والتقدم بصورة تدريجية، وأن يحصل على الدعم والرعاية اللذين يحتاج إليهما في كل مرحلة.
