هل الصدمة تورَّث جينيًا؟
في السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام بفكرة أن الصدمات النفسية لا تقتصر آثارها على الشخص الذي يمر بها، بل قد تمتد لتؤثر في الأجيال اللاحقة. ويرتبط هذا الطرح بما يُعرف بعلم «فوق الجينات»، وهو مجال علمي يدرس كيف يمكن للتجارب والبيئة أن تؤثر في طريقة عمل الجينات دون أن تغيّر تركيبها الأساسي.
يقوم هذا العلم على فكرة أن الجينات ليست ثابتة في طريقة عملها، بل يمكن أن تتأثر بعوامل خارجية، مثل التوتر الشديد أو الصدمات النفسية. هذه التأثيرات تظهر على شكل «علامات كيميائية» ترتبط بالحمض النووي (DNA)، وتتحكم في نشاط بعض الجينات، أي في كيفية تشغيلها أو إيقافها.
عند تعرّض الإنسان لظروف قاسية، مثل الحروب أو الفقدان أو العنف، قد تحدث تغيّرات بيولوجية في الجسم، تشمل الجهاز العصبي والهرمونات. وتشير بعض الدراسات إلى أن هذه التغيّرات قد تترك آثارًا فوق جينية يمكن أن تنتقل، بدرجات معينة، إلى الأبناء.
وهذا لا يعني أن الصدمة تُورَّث بشكل مباشر كما تُورَّث الصفات الجينية، ولا يعني أن الأبناء سيعانون حتمًا من المشكلات نفسها. بل قد يكون لديهم استعداد أكبر للتأثر بالضغط أو التوتر، يتأثر بدوره بطريقة التربية والبيئة والدعم النفسي الذي يتلقونه.
من المهم التأكيد أن الإنسان ليس أسيرًا لماضي عائلته. فالعوامل البيئية الإيجابية، مثل الأمان العاطفي، والعلاقات الداعمة، والعلاج النفسي عند الحاجة، يمكن أن تساهم في التخفيف من هذه التأثيرات، بل وحتى تعديلها.
إن فهم هذا الجانب يساعدنا على التعامل بوعي أكبر مع أنفسنا ومع الأطفال، ويدعونا إلى كسر دوائر الألم المتوارث من خلال الدعم، والاحتواء، وبناء بيئة صحية أكثر توازنًا.
الخلاصة
قد تترك الصدمات آثارًا بيولوجية قابلة للانتقال بدرجة ما، لكن هذه الآثار لا تحدد مصير الإنسان. فالوعي، والدعم، والبيئة الإيجابية تبقى عوامل أساسية في تشكيل الصحة النفسية للأجيال القادمة.
