هل يُنيم الأب الطفل أسرع من الأم؟

 هل يُنيم الأب الطفل أسرع من الأم؟

في الآونة الأخيرة، انتشرت فكرة مفادها أن الأب قادر على إنامة الطفل بسرعة أكبر من الأم، وأحيانًا يُروَّج لهذا الطرح على أنه حقيقة علمية ثابتة. إلا أن فهم هذه المسألة يتطلب قراءة أعمق لطبيعة العلاقة بين الطفل وكلٍّ من والديه، وللعوامل البيولوجية والسلوكية التي تؤثر في نومه.

يرتبط الطفل منذ ولادته بالأم ارتباطًا وثيقًا لا يقتصر على الجانب العاطفي، بل يمتد ليشمل ارتباطًا حسيًا وبيولوجيًا عميقًا. فهو يتعرّف على رائحتها وصوتها وحرارة جسدها، ويربط وجودها بشكل مباشر بالتغذية والراحة، خاصة في حال الرضاعة الطبيعية. لذلك، عندما تكون الأم قريبة، قد يبقى الطفل في حالة من الترقب، وكأن وجودها إشارة لاحتمال الرضاعة أو التفاعل، مما يجعله أكثر يقظة وأقل استعدادًا للنوم في بعض الأحيان.

في المقابل، لا يرتبط وجود الأب لدى الطفل بنفس المحفزات البيولوجية المرتبطة بالتغذية. وهذا قد يخلق بيئة حسية أكثر هدوءًا، حيث تقل الإشارات التي تدفع الطفل للبقاء مستيقظًا. ونتيجة لذلك، قد يجد بعض الأطفال سهولة أكبر في الاسترخاء والاستسلام للنوم عند وجود الأب، خصوصًا إذا لم يكونوا بحاجة إلى الرضاعة أو الاستجابة الفورية.

كما أن أسلوب التهدئة قد يلعب دورًا مهمًا في هذه المسألة. ففي بعض الحالات، يميل الأب إلى اعتماد طرق أبسط وأقل تحفيزًا، مثل الحمل الهادئ أو التربيت المنتظم، وهو ما قد يساعد الطفل على الانتقال تدريجيًا إلى حالة من السكون. في حين أن تفاعل الأم، بحكم ارتباطها القوي بالطفل وحرصها على تلبية احتياجاته، قد يكون أكثر استجابة وتفاعلية، مما قد يحفّز الطفل بدلًا من تهدئته.

ومع ذلك، من المهم التأكيد أن هذا لا يعني أن الأب “أفضل” في إنامة الطفل، ولا أن الأم أقل قدرة على ذلك. فالفروق هنا لا تتعلق بالكفاءة، بل بطبيعة الدور الذي يؤديه كلٌّ منهما. كما أن هذه الظاهرة لا تنطبق على جميع الأطفال، إذ تختلف استجاباتهم تبعًا لشخصياتهم، وأعمارهم، ونمط تغذيتهم، والبيئة التي يعيشون فيها.

في الواقع، تشير المعطيات التربوية إلى أن مشاركة الأب في روتين النوم تُعد عاملًا إيجابيًا مهمًا، ليس فقط في تسهيل عملية النوم، بل أيضًا في تعزيز التوازن داخل الأسرة وتخفيف الضغط عن الأم. فحين يتقاسم الوالدان المسؤوليات، يشعر كل طرف بالدعم، ويستفيد الطفل من بيئة أكثر استقرارًا وهدوءًا.

الخلاصة

لا يمكن اختزال نوم الطفل في عامل واحد أو شخص واحد. فالأساس الحقيقي يكمن في توفير بيئة آمنة، وروتين ثابت، واستجابة متوازنة لاحتياجاته. أما دور الأب والأم، فهو دور تكاملي، يقوم على التعاون لا المقارنة، وعلى فهم احتياجات الطفل لا البحث عن “من الأفضل”.

مقالات ذات صلة