أثر احتضان الطفل وتهدئته أثناء النوم في نمو الدماغ والصحة النفسية

 أثر احتضان الطفل وتهدئته أثناء النوم في نمو الدماغ والصحة النفسية

يؤكد علم النفس الحديث وعلوم الأعصاب أن السنوات الأولى من حياة الطفل تُعدّ مرحلة شديدة الحساسية في تكوين الدماغ وتنظيم المشاعر. ففي هذه الفترة، يتعلم الجهاز العصبي كيف يستجيب للضغط والخوف والاطمئنان، وذلك من خلال التجارب اليومية التي يعيشها الطفل مع والديه، وخاصة في لحظات الحاجة إلى الراحة أو الأمان. ومن السلوكيات التي يكثر الجدل حولها حمل الطفل وتهدئته أثناء النوم، إذ يعتقد بعض الناس أن ذلك قد يؤدي إلى تدليل الطفل بشكل زائد، بينما تشير دراسات عديدة إلى أن الاستجابة لاحتياجات الطفل الجسدية والعاطفية في هذه المرحلة قد تلعب دوراً مهماً في بناء توازن نفسي صحي في المستقبل.

عندما يُحمل الطفل أو يُحتضن أثناء شعوره بالتعب أو النعاس، يتلقى جسده إشارات حسية مريحة مثل الدفء، ونبضات القلب، ولمسة الجلد، وهذه الإشارات تساعد الجهاز العصبي على الانتقال من حالة التوتر إلى حالة الهدوء. ويُعرف هذا التأثير في علم الأعصاب بعملية تنظيم الاستجابة للضغط، حيث يتعلم الدماغ أن البيئة آمنة وأن هناك من يستجيب لحاجاته. ومع تكرار هذه التجارب، يبدأ الجهاز العصبي بتكوين أنماط مستقرة في التعامل مع القلق والخوف.

تشير الأبحاث إلى أن وجود مقدم الرعاية بالقرب من الطفل يساهم في تقليل إفراز هرمون الكورتيزول، وهو الهرمون المرتبط بالتوتر، كما يساعد على توازن نشاط الجهاز العصبي. وقد وجدت بعض الدراسات أن الأطفال الذين يحصلون على رعاية حساسة ومتجاوبة يظهرون قدرة أفضل على التحكم في مشاعرهم مع تقدمهم في العمر، مقارنة بالأطفال الذين يتعرضون لمستويات أعلى من الإهمال أو التوتر في المراحل المبكرة من حياتهم. كما أن جودة التفاعل بين الطفل ووالديه في أوقات النوم أو الاستيقاظ ترتبط بمستوى الاستقرار العاطفي لاحقاً.

ومن الناحية العصبية، يلعب التواصل بين القشرة الجبهية الأمامية واللوزة الدماغية دوراً أساسياً في تنظيم المشاعر. فاللوزة الدماغية مسؤولة عن الاستجابة للخوف والانفعالات، بينما تساعد القشرة الجبهية الأمامية على التفكير المنطقي وضبط ردود الفعل. وعندما يتعرض الطفل لمواقف مهدئة ومتكررة، مثل الاحتضان أو التهدئة قبل النوم، يتعلم الدماغ أن الاستجابة للخوف يمكن التحكم فيها، مما يعزز الترابط بين هاتين المنطقتين. ومع مرور الوقت، يطوّر الطفل قدرة أفضل على التعامل مع الضغوط بدلاً من الاستجابة لها بشكل مبالغ فيه.

ولا يعني ذلك أن حمل الطفل أثناء النوم هو العامل الوحيد في نموه النفسي، لكنه أحد أشكال الاستجابة العاطفية التي تساعد على بناء شعور بالأمان. فالطفل في سنواته الأولى لا يملك القدرة على تهدئة نفسه بمفرده، ولذلك يعتمد على وجود شخص بالغ يساعده على تنظيم مشاعره. وعندما تتكرر هذه الخبرة، يتعلم الدماغ تدريجياً كيف يقوم بهذه العملية بشكل مستقل في مراحل لاحقة من النمو.

كما تشير بعض النظريات الحديثة في علم التعلّق إلى أن العلاقة الآمنة بين الطفل ووالديه تُعدّ أساساً مهماً للصحة النفسية في المستقبل. فالطفل الذي يشعر بأن احتياجاته تُلبّى وأن هناك من يستجيب لبكائه أو خوفه، يكوّن تصوراً إيجابياً عن العالم وعن نفسه، مما يقلل من احتمال ظهور اضطرابات القلق أو صعوبات تنظيم المشاعر في المراحل اللاحقة من الحياة.

وفي المقابل، فإن ترك الطفل لفترات طويلة في حالة توتر دون استجابة قد يؤدي إلى بقاء الجهاز العصبي في حالة استعداد دائم للخطر، وهو ما قد يجعل الطفل أكثر حساسية للقلق مع مرور الوقت. لذلك يوصي كثير من المختصين بأن تكون استجابة الوالدين متوازنة، بحيث تجمع بين الحنان ووضع الحدود المناسبة، مع مراعاة عمر الطفل واحتياجاته.

الخلاصة

يمكن القول إن حمل الطفل وتهدئته أثناء النوم لا يُعدّ تدليلاً زائداً كما يظن البعض، بل قد يكون وسيلة طبيعية تساعد دماغ الطفل على تعلّم الشعور بالأمان وتنظيم الانفعالات. فالخبرات الصغيرة المتكررة في الطفولة المبكرة تترك أثراً عميقاً في طريقة عمل الدماغ، وتساهم في تشكيل قدرة الإنسان على التعامل مع التوتر والمشاعر طوال حياته.

مقالات ذات صلة