هل يشهد جيل Z تراجعًا في القدرات المعرفية؟ قراءة علمية في أثر التعليم الرقمي
خلال السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل حول تأثير التعليم الرقمي المكثف واستخدام الشاشات على القدرات المعرفية لدى الأطفال والمراهقين، خصوصًا مع ظهور تقارير بحثية تشير إلى أن جيل Z قد يكون أول جيل حديث يُلاحظ لديه تراجع نسبي في بعض المهارات الذهنية مقارنة بالأجيال السابقة، رغم اتساع فرص التعليم وزيادة سنوات الدراسة النظامية.
تشير نتائج عدد من الدراسات التربوية والعصبية الحديثة إلى أن هذا التراجع لا يعني انخفاضًا عامًا في الذكاء بمعناه التقليدي، بل يرتبط بتراجع في مهارات معرفية محددة، مثل التركيز المستمر، والذاكرة طويلة الأمد، والقدرة على التحليل العميق وحل المشكلات المعقدة. ويربط الباحثون هذا التغير بالتحول الجذري في أنماط التعلّم، لا سيما الاعتماد المتزايد على التعليم الرقمي والمحتوى السريع.
يعتمد التعليم الرقمي في كثير من الأحيان على المعلومات المختصرة، والمقاطع القصيرة، والتفاعل السريع، وهو ما يتعارض مع آليات التعلّم العميق التي يحتاجها الدماغ البشري، والتي تقوم على التدرّج، والتكرار، والتفاعل الاجتماعي المباشر. وقد أظهرت أبحاث في علوم الأعصاب أن الدماغ يتعلم بشكل أفضل عندما يكون منخرطًا في نقاش، أو تجربة، أو قراءة متأنية، وليس عبر التلقي السريع والمتقطع للمعلومة.
كما تشير بيانات سلوكية إلى أن المراهقين يقضون جزءًا كبيرًا من وقت يقظتهم اليومية أمام الشاشات، سواء في الدراسة أو الترفيه. هذا الاستخدام المطوّل ارتبط بضعف الانتباه، وتشتت التركيز، وصعوبة بناء الذاكرة طويلة الأمد، إضافة إلى انخفاض القدرة على الصبر الذهني المطلوب للتعلم المعمّق. وتُظهر بعض الدراسات وجود فجوة متزايدة بين شعور الطلاب بالكفاءة المعرفية وبين أدائهم الفعلي، وهو ما يُعرف بـ”وهم المعرفة”، الناتج عن سهولة الوصول إلى المعلومات دون جهد ذهني حقيقي.
وعند مقارنة الأجيال، تشير التحليلات إلى أن جيل الألفية نشأ في مرحلة انتقالية، حيث تلقّى تعليمه الأساسي عبر أساليب تقليدية تعتمد على القراءة، والشرح المباشر، والتفاعل داخل الصف، مع استخدام محدود للتكنولوجيا كوسيلة مساعدة. هذا التوازن ساهم في تعزيز مهارات التفكير النقدي والتحليل، مقارنة بجيل نشأ في بيئة رقمية مكتملة منذ الطفولة.
ومن المهم التأكيد على أن هذه النتائج لا تُدين التكنولوجيا بحد ذاتها، ولا تعني أن التعليم الرقمي ضار بشكل مطلق، بل تشير إلى مخاطر الاعتماد غير المنظّم عليه، خاصة عند غياب التوجيه الأسري والتربوي. فالتكنولوجيا أداة، ويكمن التحدي في طريقة استخدامها، ومدة التعرض لها، وطبيعة المحتوى المقدَّم من خلالها.
الخلاصة
تطرح هذه المعطيات ضرورة إعادة النظر في نماذج التعليم الحديثة، والسعي إلى تحقيق توازن حقيقي بين التعلم الرقمي والتعلم التفاعلي العميق. فحماية القدرات المعرفية للأجيال القادمة لا تتحقق بالمنع الكامل ولا بالإتاحة المطلقة، بل ببناء منظومة تعليمية تراعي احتياجات الدماغ البشري، وتدعم النمو المعرفي السليم في عالم رقمي متسارع.
