اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وصعوبة بدء المهام

 اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وصعوبة بدء المهام

يعاني المصابون باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، المعروف اختصارًا بـ ADHD، من صعوبة كبيرة في بدء المهام اليومية، وهي مشكلة شائعة لكنها غالبًا ما تُساء فهمها. هذه الصعوبة ليست كسلاً أو استهتارًا، بل هي خلل عصبي حقيقي في الوظائف التنفيذية للدماغ. في الدماغ السليم، يكون الانتقال من الفكرة إلى الفعل سريعًا نسبيًا؛ تولد الفكرة في الذهن، يتم اتخاذ القرار بالبدء، ثم يبدأ السلوك تلقائيًا بعد فترة قصيرة ومستقرة. أما في دماغ المصاب بالـ ADHD، فقد توجد الفكرة والقدرة العقلية واتخاذ القرار، لكن الإشارة الحيوية التي تقول “ابدأ الآن” لا تصل بالشكل الكافي، ما يؤدي إلى تأجيل المهام حتى وإن كانت مهمة وضرورية.

تتمركز صعوبة بدء المهام لدى المصابين بالـ ADHD في القشرة الجبهية الأمامية، التي تُعدّ مركزًا للوظائف التنفيذية في الدماغ، ويعزى ذلك غالبًا إلى خلل في تنظيم الدوبامين، الناقل العصبي المسؤول عن تحفيز الدماغ وتنشيط قدراته. نتيجة لذلك، لا تبدأ المهمة إلا إذا كانت محفزة للغاية، أو تحت ضغط شديد، أو مرتبطة بالخوف أو العقوبة، وليس لمجرد أهميتها. هذه الحقيقة توضح أن المصاب لا يؤجل المهام لأنه كسول أو غير مبالٍ، بل لأن دماغه لا يملك طاقة البدء الكافية، وهذا ما يميز اضطراب ADHD عن التسويف العادي أو قلة الانضباط.

يساء فهم هذه الصعوبة في الكثير من الأحيان، حيث يفسّرها المحيطون بالعجز أو الكسل أو الاستهتار، مما يضيف عبئًا نفسيًا إضافيًا على المصاب. تكرار الفشل في البدء يؤدي إلى شعور مستمر بالذنب، وانخفاض تقدير الذات، وقد يتطور إلى قلق أو اكتئاب ثانوي. هذا الواقع النفسي يعمّق إحباط المصاب ويزيد من صعوبة إدارة مهامه اليومية، ما يجعل التعامل مع ADHD أكثر تعقيدًا إذا لم يُفهم بشكل صحيح.

رغم هذه التحديات، هناك طرق فعالة لدعم المصابين وتمكينهم من بدء المهام بنجاح. العلاج الدوائي الذي ينظّم مستويات الدوبامين يمكن أن يحفز القشرة الجبهية الأمامية، ويساهم في إعادة تشغيل ما يُشبه “زر البدء” في الدماغ. إلى جانب الأدوية، تلعب الاستراتيجيات السلوكية دورًا مهمًا، مثل تقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة، واستخدام المكافآت التحفيزية، والدعم النفسي لتعزيز الثقة بالنفس. كل هذه الإجراءات تهدف إلى توفير بيئة مساعدة للدماغ، بحيث يتمكن المصاب من التحرك نحو الفعل دون شعور بالضغط أو الإحباط.

من المهم التأكيد على أن بدء المهام ليس مسألة قوة إرادة فحسب، بل هو وظيفة دماغية معقدة تتطلب دعمًا وفهمًا. الاعتراف بأن المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يواجهون خللاً في الوظائف التنفيذية، وليس نقصًا في الرغبة أو الانضباط، يساعد في توفير بيئة أكثر تفهمًا ودعمًا لهم، ويحول تجارب الفشل المتكررة إلى نجاحات ملموسة يمكن البناء عليها في الحياة اليومية.

مقالات ذات صلة