نتفليكس ومحتوى الأطفال: بين حرية التعبير وحق الأسرة في الرقابة
أثار تقرير حديث جدلًا واسعًا حول طبيعة المحتوى الموجَّه للأطفال على منصة نتفليكس، بعد أن كشف أن نسبة تُقدَّر بنحو 41% من البرامج المصنَّفة ضمن فئة الأطفال تتضمن إشارات أو رسائل مرتبطة بالمثلية الجنسية أو بالهوية الجندرية. وقد استند التقرير، الصادر عن جهة رقابية مستقلة، إلى تحليل 326 عملًا تلفزيونيًا موجَّهًا للأطفال، شملت إنتاجات أصلية للمنصة وأعمالًا مرخَّصة من جهات أخرى.
نتائج التقرير ومضامينه
أوضح التقرير أن هذه الأعمال لا تقتصر على تلميحات عابرة، بل تتضمن في بعض الحالات شخصيات محورية تُعرَّف بهويات جندرية مختلفة أو علاقات أسرية مثلية، إضافة إلى إدخال هذه الموضوعات ضمن إعادة إنتاج أعمال كرتونية قديمة كانت تُعد في السابق موجهة للترفيه البحت. واعتبرت الجهة المعدّة للتقرير أن محتوى الطفولة لم يعد بمنأى عن سياسات الهوية المعاصرة، في خروج واضح عن الدور التقليدي لمحتوى الأطفال الذي كان يركّز على القيم العامة، والخيال، والتعليم، والترفيه الآمن.
وجهة نظر المنتقدين
يرى منتقدو هذا التوجه أن إدخال قضايا الجنس والميول والهوية الجندرية في محتوى موجَّه للأطفال يُعد أمرًا إشكاليًا، نظرًا لحساسية هذه الموضوعات وعدم ملاءمتها لجميع المراحل العمرية. ويؤكد هؤلاء أن من حق الأهل وحدهم تحديد التوقيت والأسلوب المناسبين لمناقشة مثل هذه القضايا مع أبنائهم، بما يتوافق مع القيم الثقافية والدينية والاجتماعية لكل أسرة. كما يحذّرون من أن الطرح غير المتدرج أو غير الواضح قد يؤدي إلى إرباك الأطفال أو التأثير في نموهم النفسي والمعرفي.
وجهة النظر المقابلة
في المقابل، يرى مؤيدو هذا النوع من المحتوى أن تمثيل التنوع يعكس واقع المجتمعات الحديثة، ويساهم في تعزيز قيم التقبّل والاحترام، ويقلّل من الوصم الاجتماعي. ويعتبرون أن وجود شخصيات مختلفة في الأعمال الفنية لا يعني بالضرورة فرض أفكار معينة، بل تقديم صورة شاملة للعالم كما هو. ومع ذلك، يقرّ بعضهم بأهمية وضوح التصنيفات العمرية وإتاحة أدوات رقابية فعّالة للأهالي.
الدعوة إلى الرقابة والمساءلة
دعا التقرير إلى إنشاء أطر رقابية مستقلة وأكثر شفافية لمراجعة محتوى الأطفال على المنصات الرقمية، مع إشراك أولياء الأمور وخبراء التربية وعلم النفس في تقييم التصنيفات العمرية. كما شدد على ضرورة تمكين الأهل من أدوات تحكم واضحة وسهلة الاستخدام، تتيح لهم اختيار المحتوى المناسب لأعمار أبنائهم وقيم أسرهم.
موقف نتفليكس
حتى وقت إعداد هذا المقال، لم تُصدر نتفليكس تعليقًا رسميًا على ما ورد في التقرير. وتؤكد المنصة في سياساتها العامة أنها توفر تصنيفات عمرية وأدوات للرقابة الأبوية، وتترك للأسر حرية الاختيار. غير أن الجدل القائم يعكس فجوة متزايدة بين ما تعتبره المنصات الرقمية “تمثيلًا للتنوع” وما يراه كثير من الأهالي تجاوزًا لحدود المحتوى الموجَّه للأطفال.
الخلاصة
يعكس هذا الجدل نقاشًا أوسع حول دور الإعلام الرقمي في تشكيل وعي الأطفال، وحدود المسؤولية الأخلاقية للمنصات العالمية، وحق الأسرة في توجيه تربية أبنائها. وبين حرية التعبير وضرورة حماية الطفولة، تبقى الحاجة قائمة إلى حوار مجتمعي متوازن، يراعي مصلحة الطفل أولًا، ويحترم في الوقت ذاته تنوّع القيم والثقافات داخل المجتمعات المختلفة.
