‎هل نحن مستعدون لجيل «بيتا»؟

 ‎هل نحن مستعدون لجيل «بيتا»؟

مع دخول العالم عام 2026، يطوي الزمن صفحة جيل جديد ويبدأ فصلاً مختلفاً في تاريخ البشرية، حيث نودّع رسمياً حقبة جيل «ألفا» لنستقبل أول مواليد جيل «بيتا» (Generation Beta). وبينما تبدو هذه التسميات للبعض مجرد تصنيفات زمنية، فإنها في الواقع تعكس تحولات عميقة في شكل الحياة، وطبيعة المجتمعات، ومستقبل الإنسان نفسه.

فالأجيال ليست مجرد أسماء تُطلق على فترات زمنية، بل هي مرآة للتغيرات الاقتصادية والتقنية والبيئية التي تشكل وعي البشر وطريقة عيشهم. وجيل «بيتا» يُتوقع أن يكون أحد أكثر الأجيال اختلافاً في تاريخ الإنسانية، لأنه سيولد في عالم تقوده التكنولوجيا الذكية، وتفرض عليه البيئة تحديات غير مسبوقة، ويمتد فيه الأمل بحياة أطول من أي وقت مضى.

جيل يولد في قلب الذكاء الاصطناعي

إذا كان جيل «ألفا» قد وُلد في عصر الهواتف الذكية، فإن جيل «بيتا» سيولد في ذروة عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي. بالنسبة لهؤلاء الأطفال، لن تكون التقنيات الذكية أدوات إضافية في الحياة، بل ستكون جزءاً طبيعياً من تفاصيلها اليومية.

سيكبر هذا الجيل في بيئة تحيط بها أنظمة ذكية قادرة على التعلم، والتفاعل، والإبداع. سيستخدم الأطفال أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في التعليم، والرعاية الصحية، والترفيه، وحتى في التواصل الاجتماعي. وقد يصبح من المعتاد أن يتلقى الطفل تعليمه بمساعدة منصات تعليمية تتكيف مع مستواه، أو أن يستعين بأدوات ذكية تساعده على حل المشكلات، أو التعبير عن أفكاره بطرق إبداعية.

غير أن هذا التقدم يفرض تحدياً أساسياً: كيف نربي جيلاً قادراً على استخدام الذكاء الاصطناعي بوعي، لا أن يصبح معتمداً عليه كلياً؟
فالفرق كبير بين طفل يوظف التكنولوجيا ليطوّر قدراته، وآخر تضعف لديه مهارات التفكير والتحليل بسبب الاعتماد المفرط على الحلول الجاهزة.

جيل يعيش في ظل التحديات المناخية

سيكون جيل «بيتا» أيضاً من أكثر الأجيال احتكاكاً بتداعيات التغير المناخي. فارتفاع درجات الحرارة، وشح الموارد، والكوارث الطبيعية، لم تعد قضايا مستقبلية، بل واقعاً يعيشه العالم اليوم، وسيكبر هذا الجيل في ظله.

لكن الجانب الإيجابي أن هذا الجيل يُتوقع أن يكون الأكثر وعياً بيئياً. ستصبح مفاهيم مثل الاستدامة، وترشيد الاستهلاك، وإعادة التدوير، والطاقة النظيفة، جزءاً أساسياً من ثقافته منذ الصغر. وسيُنظر إلى حماية البيئة ليس كخيار، بل كمسؤولية فردية وجماعية.

وهنا يظهر دور الأسرة والمدرسة في غرس القيم البيئية، وتحويل الوعي إلى سلوك يومي. فالطفل الذي يتعلم منذ صغره احترام الطبيعة، والحفاظ على الموارد، سيكون في المستقبل مواطناً أكثر قدرة على اتخاذ قرارات تخدم كوكبه.

جيل مرشح لحياة أطول

تشير التوقعات العلمية إلى أن كثيراً من مواليد جيل «بيتا» قد يعيشون حتى القرن الثاني والعشرين، بفضل التقدم في الطب، والتكنولوجيا الحيوية، وتحسين جودة الرعاية الصحية. وهذا يعني أن حياتهم المهنية والاجتماعية قد تمتد لعقود أطول مما اعتدناه.

طول العمر هذا سيغير مفاهيم عديدة، مثل التعليم، والعمل، والتقاعد. فقد لا يعود التعلم مرحلة تنتهي في الشباب، بل مساراً مستمراً مدى الحياة. كما سيحتاج هذا الجيل إلى مرونة نفسية ومهارية تمكّنه من التكيف مع تغيرات متسارعة في سوق العمل والتكنولوجيا.

هل نحن مستعدون فعلاً؟

السؤال الأهم ليس فقط من هو جيل «بيتا»، بل: هل نحن مستعدون لتربيته؟

التحدي الحقيقي لا يكمن في فهم التكنولوجيا أو التنبؤ بالمستقبل، بل في إعداد أطفال قادرين على التعامل مع هذا المستقبل بوعي وثبات. وهذا يتطلب إعادة التفكير في أولويات التربية والتعليم.

أهم المهارات التي يحتاجها جيل «بيتا»

  1. التفكير النقدي
    في عالم مليء بالمعلومات والمحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي، سيحتاج الطفل إلى القدرة على التمييز بين الصحيح والمضلل، وتحليل ما يراه ويسمعه، وعدم تقبّل كل ما يُعرض عليه دون تمحيص.
  2. الذكاء العاطفي
    كلما زاد حضور التكنولوجيا، ازدادت الحاجة إلى مهارات إنسانية خالصة، مثل التعاطف، وفهم المشاعر، وبناء علاقات صحية. هذه المهارات ستحمي الأطفال من العزلة، وتساعدهم على التوازن النفسي.
  3. المرونة والتكيف
    سيعيش هذا الجيل في عالم سريع التغير. القدرة على التكيف مع المستجدات، وتقبّل التغيير، والتعلم من الفشل، ستكون من أهم مفاتيح النجاح.
  4. المسؤولية الرقمية
    يجب أن يتعلم الأطفال منذ الصغر أن العالم الرقمي ليس منفصلاً عن الواقع، وأن سلوكهم عبر الإنترنت له تبعات أخلاقية وقانونية واجتماعية.
  5. حب التعلم مدى الحياة
    لن تكفي شهادة أو مهارة واحدة لمرافقة الإنسان طوال حياته. لذلك يجب أن نغرس في هذا الجيل الفضول، وحب الاستكشاف، والرغبة الدائمة في التعلم.

دور الأسرة والمجتمع

لا يمكن ترك إعداد جيل «بيتا» للمدرسة وحدها. فالأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل القيم، والعادات، وطريقة التعامل مع العالم. وعندما يرى الطفل توازناً في استخدام التكنولوجيا داخل المنزل، وحواراً مفتوحاً، واحتراماً للبيئة، فإنه يكتسب هذه السلوكيات بشكل طبيعي.

كما أن السياسات التعليمية والمجتمعية يجب أن تواكب هذا التحول، من خلال تطوير مناهج تركز على المهارات، لا الحفظ فقط، وتوفير مساحات آمنة للنشاط البدني والاجتماعي، إلى جانب الاستخدام الواعي للتقنيات الحديثة.

الخلاصة

جيل «بيتا» ليس مجرد تسمية جديدة، بل هو عنوان لمرحلة إنسانية مختلفة، تتداخل فيها التكنولوجيا المتقدمة مع تحديات بيئية كبرى، وآفاق حياة أطول. والاستعداد له لا يعني فقط توفير أحدث الأجهزة، بل بناء إنسان متوازن، مفكر، متعاطف، وقادر على التكيف.

فالمستقبل الذي سيولد فيه هذا الجيل يتشكل اليوم بين أيدينا، وكل قيمة نزرعها الآن، وكل مهارة نعلّمها لأطفالنا، ستكون جزءاً من العالم الذي سيعيشون فيه غداً.

مقالات ذات صلة