‎«عنق التكنولوجيا»… الخطر الصامت الذي يهدد صحة جيل «ألفا»

 ‎«عنق التكنولوجيا»… الخطر الصامت الذي يهدد صحة جيل «ألفا»

في ظل الثورة الرقمية المتسارعة، أصبحت الشاشات جزءاً لا يتجزأ من حياة الأطفال اليومية، سواء في التعليم أو الترفيه أو التواصل. غير أن هذا الاندماج المبكر والمكثف مع الأجهزة الذكية بدأ يكشف عن آثار صحية مقلقة، أبرزها ما يُعرف بـ «عنق التكنولوجيا» أو «رقبة الهاتف»، وهي مشكلة صحية صامتة تتسلل تدريجياً إلى أجسام الأطفال، مهددة سلامة العمود الفقري وجودة حياتهم على المدى البعيد.

ما المقصود بـ «عنق التكنولوجيا»؟

«عنق التكنولوجيا» هو اضطراب وضعي يحدث نتيجة الانحناء المتكرر والمطوّل للرأس نحو الأمام أثناء استخدام الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية أو الحواسيب. هذه الوضعية، التي تبدو عابرة وغير مؤذية، تضع حملاً مضاعفاً على فقرات الرقبة والعمود الفقري.

فعندما يكون الرأس في وضعه الطبيعي، يزن نحو 4 إلى 5 كيلوغرامات. لكن مع انحنائه إلى الأمام بزاوية كبيرة، قد يصل الضغط الواقع على الرقبة إلى ما يعادل 20–25 كيلوغراماً. ومع تكرار هذا الوضع لساعات يومياً، تبدأ العضلات بالإجهاد، وتتعرض الفقرات والأقراص الغضروفية لضغط غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغيرات هيكلية تدريجية.

انتشار الظاهرة بين الطلبة

رصدت مدارس عديدة مؤشرات واضحة على انتشار انحناء الرقبة بين الطلبة، نتيجة الاستخدام الطويل والخاطئ للأجهزة الذكية، سواء داخل المنازل أو خلال التنقل بالحافلات المدرسية. وقد دفع هذا الأمر بعض المدارس إلى اتخاذ إجراءات وقائية، من بينها منع استخدام الهواتف والأجهزة اللوحية داخل الحافلات المدرسية، بعد ملاحظة أن الأطفال يقضون تلك الفترة في النظر المستمر إلى الشاشات بوضعيات خاطئة.

كما وجّهت إدارات مدرسية رسائل توعوية إلى أولياء الأمور، تدعوهم إلى مراقبة أبنائهم، وتصحيح وضعيات جلوسهم، وتقليل ساعات التعرض للشاشات، مع ضرورة استشارة الأطباء عند ظهور أي أعراض مبكرة.

الأعراض التي لا يجب تجاهلها

لا يظهر «عنق التكنولوجيا» فجأة، بل يتطور تدريجياً عبر مجموعة من الأعراض التي قد يظنها البعض عابرة، ومنها:
• صداع متكرر
• آلام في الرقبة والكتفين
• تيبّس وصعوبة في تحريك الرقبة
• تنميل أو خدر في اليدين
• آلام في أعلى وأسفل الظهر
• شعور عام بالإجهاد العضلي

ومع استمرار الإهمال، قد تتحول هذه الأعراض إلى آلام مزمنة تؤثر في تركيز الطفل ونشاطه اليومي ونومه.

«الرقبة المستقيمة»… مرحلة متقدمة

يشير الأطباء إلى أن الفحوصات الإشعاعية لبعض الأطفال المصابين تُظهر حالة تُعرف بـ «الرقبة المستقيمة»، وهي فقدان الانحناء الطبيعي لفقرات الرقبة نتيجة الشد العضلي المستمر. هذا التغير يخلّ بالتوازن الطبيعي للعمود الفقري، وقد يؤدي مستقبلاً إلى:
• تآكل الفقرات
• مشكلات في الأقراص الغضروفية (الديسك)
• آلام مزمنة يصعب علاجها
• اضطرابات دائمة في الوضعية العامة للجسم

وفي الحالات المتقدمة جداً، قد يحتاج المريض إلى تدخلات علاجية معقدة، وربما جراحية.

أبعاد المشكلة تتجاوز الرقبة

لا تقتصر أضرار الاستخدام المفرط للشاشات على «عنق التكنولوجيا» فقط، بل تمتد لتشمل الجانبين الجسدي والنفسي.

أولاً: الأضرار الجسدية
• إجهاد العين وضعف النظر
• قلة الحركة وزيادة الوزن
• اضطرابات النوم
• الصداع المزمن
• ضعف اللياقة البدنية
• انحناء الظهر وتقوس الكتفين

ثانياً: الأضرار النفسية والسلوكية
• العزلة الاجتماعية
• ضعف مهارات التواصل
• زيادة السلوك العدواني أو الانفعالي
• انخفاض الثقة بالنفس
• تراجع القدرة على التحمل العاطفي
• صعوبة التركيز والانتباه

وتشير دراسات حديثة إلى أن الاستخدام المبكر والمفرط للهواتف الذكية قبل سن 13 عاماً يرتبط بتراجع مؤشرات الصحة النفسية لدى الأطفال والمراهقين.

أرقام تعكس حجم التحدي

تُظهر الإحصاءات أن الغالبية العظمى من الأطفال يستخدمون الأجهزة الرقمية بانتظام منذ سن مبكرة، وأن نسبة كبيرة من الأهالي لا تتابع استخدام أبنائها بشكل كافٍ. هذا الواقع يجعل من «عنق التكنولوجيا» مشكلة مجتمعية تتطلب وعياً مشتركاً بين الأسرة والمدرسة والقطاع الصحي.

دور الأسرة في الوقاية

تلعب الأسرة الدور الأهم في حماية الطفل من هذا الخطر الصامت. ومن أهم الإجراءات الوقائية:
• تحديد أوقات واضحة لاستخدام الأجهزة وعدم ترك الطفل أمام الشاشة لساعات طويلة
• تقسيم وقت الشاشة إلى فترات قصيرة تتخللها فواصل للحركة
• تشجيع الأنشطة البدنية اليومية مثل المشي والرياضة واللعب الحركي
• تعديل بيئة الاستخدام عبر رفع الشاشة إلى مستوى العين، واستخدام كرسي وطاولة مناسبين
• تعليم الطفل الجلوس بظهر مستقيم وتجنب الانحناء الطويل

قاعدة «10 دقائق»

ينصح مختصون بتطبيق قاعدة بسيطة وفعالة:
بعد كل 10 دقائق من استخدام الجهاز، يجب أخذ استراحة لمدة دقيقتين لتحريك الجسم، وتمديد الرقبة، وفتح الكتفين، وتحريك الظهر. هذه العادة الصغيرة قادرة على تقليل الضغط المتراكم على العمود الفقري بشكل كبير.

متى يجب مراجعة الطبيب؟

ينبغي استشارة الطبيب عند ملاحظة:
• استمرار آلام الرقبة أو الظهر
• صداع متكرر غير مبرر
• تنميل في الأطراف
• ميل واضح في وضعية الرأس أو الكتفين

فالتشخيص المبكر والتدخل السريع يساعدان في عكس المشكلة قبل أن تتحول إلى حالة مزمنة.

الخلاصة

«عنق التكنولوجيا» ليس مجرد ألم عابر في الرقبة، بل مؤشر مبكر على خلل وضعي قد يرافق الطفل لسنوات طويلة إذا لم يُعالج. وفي عصر أصبحت فيه الشاشات واقعاً لا يمكن الاستغناء عنه، لا يكمن الحل في المنع التام، بل في الاستخدام الواعي والمتوازن، وتعليم الأطفال العادات الصحية في الجلوس والحركة.

إن حماية صحة جيل «ألفا» مسؤولية مشتركة، تبدأ من البيت، وتعززها المدرسة، ويدعمها الوعي المجتمعي. فالتكنولوجيا وُجدت لتسهيل الحياة، لا لتثقل أجساد أطفالنا بآلام مبكرة كان بالإمكان تجنبها.

مقالات ذات صلة