صحة أسنان الأطفال ترتبط بصحتهم النفسية أكثر مما يعتقد الأهل

 صحة أسنان الأطفال ترتبط بصحتهم النفسية أكثر مما يعتقد الأهل

قد يعتقد بعض الآباء أن العناية بأسنان الأطفال تقتصر على منع التسوس والحفاظ على ابتسامة جميلة، لكن صحة الفم يمكن أن تؤثر في جوانب أخرى من حياة الطفل، بما في ذلك حالته النفسية وثقته بنفسه وقدرته على التركيز والتفاعل مع الآخرين.

وأظهر استطلاع حديث أُجري على 1801 من الآباء لأطفال تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عامًا أن أكثر من ثلث الأطفال عانوا مشكلات في صحة الفم خلال العامين السابقين. وكانت أكثر المشكلات شيوعًا تسوس الأسنان أو تلفها، إضافة إلى تغير لون الأسنان، وألم الأسنان أو حساسيتها، ومشكلات اللثة.

كما أظهرت النتائج أن العناية اليومية بالأسنان لا تزال أقل من المستوى المطلوب لدى عدد كبير من الأطفال. فقد ذكر نحو ثلاثة من كل خمسة آباء فقط أن أطفالهم ينظفون أسنانهم بانتظام مرتين يوميًا. وكانت المشكلات المتعلقة بالأسنان أكثر شيوعًا لدى الأطفال الذين يمارسون عددًا أقل من عادات العناية بصحة الفم.

ومن اللافت أيضًا أن رائحة الفم الكريهة قد تكون علامة لا ينتبه إليها الأهل بما يكفي. فقد لاحظ أكثر من ثلث الآباء هذه المشكلة لدى أطفالهم، وكانت أكثر شيوعًا بين الأطفال الذين لا يلتزمون بعادات تنظيف الأسنان والعناية بالفم بصورة منتظمة. ومع ذلك، اعتقد كثير من الآباء أن رائحة الفم ناتجة فقط عن الاستيقاظ صباحًا، ولم يربطوها بقلة تنظيف الأسنان أو عدم استخدام وسائل تنظيف الفم الأخرى.

ولا تتوقف آثار إهمال صحة الفم عند الألم أو التسوس. فقد يؤثر مظهر الأسنان في نظرة الطفل إلى نفسه، خصوصًا خلال سنوات الدراسة التي يصبح فيها رأي الأقران أكثر أهمية. وتشير الأبحاث إلى أن الأسنان من أكثر السمات الجسدية التي قد يتعرض الأطفال للتنمر بسببها، وقد يشعر الطفل الذي يتعرض للسخرية بسبب ابتسامته بانخفاض الثقة بالنفس أو بعدم الرغبة في الذهاب إلى المدرسة، وقد يميل إلى الانعزال عن الآخرين.

كما يمكن لألم الأسنان المستمر أن يؤثر في الحالة النفسية للطفل وسلوكه. فالطفل الذي يعاني تسوسًا غير معالج قد يعيش مع ألم متكرر يجعله أكثر انزعاجًا وأقل قدرة على التركيز. وقد يبدو أحيانًا وكأنه يعاني مشكلة في السلوك أو الانتباه، بينما يكون السبب الحقيقي هو الألم الذي لم تتم معالجته.

وتوضح هذه العلاقة أن صحة الفم والصحة النفسية يمكن أن تؤثر كل منهما في الأخرى. فالطفل الذي يعاني مشكلات في أسنانه قد يشعر بالحرج من مظهر ابتسامته أو يتجنب الابتسام والتحدث أمام الآخرين، بينما يمكن أن تؤدي بعض المشكلات النفسية أو العادات المرتبطة بها إلى إهمال تنظيف الأسنان والعناية بالفم.

وتزداد أهمية هذه المسألة في الوقت الحالي مع تغير العادات الغذائية للأطفال. فالإكثار من الأطعمة المصنعة والوجبات الخفيفة والمشروبات الحمضية والمشروبات المحلاة يمكن أن يزيد خطر تسوس الأسنان وتآكل طبقتها الخارجية. كما أن الاهتمام المتزايد بالمظهر نتيجة متابعة الصور ومقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي قد يجعل بعض الأطفال أكثر حساسية تجاه شكل أسنانهم.

وقد أصبح بعض الأطفال في سن مبكرة يشعرون بالقلق من شكل ابتسامتهم، حتى عندما تكون أسنانهم صحية وطبيعية. فمقارنة الطفل لشكله بصور معدلة أو غير واقعية قد تجعله يعتقد أن هناك مشكلة في أسنانه لمجرد أنها لا تشبه الصور التي يراها على الشاشة.

ولهذا، لا ينبغي أن تقتصر مهمة الأهل على تذكير الطفل بتنظيف أسنانه، بل من المهم أن تصبح العناية بالفم جزءًا ثابتًا من روتينه اليومي منذ سنواته الأولى. ويمكن للوالدين تشجيع الطفل على تنظيف أسنانه مرتين يوميًا، وتعليمه الطريقة الصحيحة لتنظيف الأسنان والاهتمام باللثة، ومساعدته على استخدام الخيط لتنظيف المناطق التي لا تصل إليها فرشاة الأسنان.

كما يُنصح بالبدء بزيارة طبيب الأسنان في عمر مبكر، وعدم الانتظار حتى ظهور الألم أو التسوس. وتساعد الزيارات المنتظمة على اكتشاف المشكلات في مراحلها الأولى، وتعويد الطفل على العناية بأسنانه وزيارة الطبيب من دون خوف.

ومن المهم أيضًا أن يكون الوالدان قدوة لأطفالهما. فالطفل يتعلم كثيرًا من خلال تقليد سلوك والديه، وعندما يرى أن أفراد أسرته يهتمون بصحة أسنانهم ويلتزمون بزيارات الطبيب، يصبح أكثر استعدادًا لتبني العادات نفسها.

وفي الوقت نفسه، ينبغي للأهل الانتباه إلى بعض العلامات التي قد تشير إلى وجود مشكلة، مثل رائحة الفم المستمرة، أو ألم الأسنان، أو الحساسية، أو تجنب الطفل الابتسام، أو التنفس من الفم، أو الشخير، أو صرير الأسنان أثناء النوم. وقد تكون هذه العلامات سببًا يستدعي استشارة طبيب الأسنان لمعرفة المشكلة وعلاجها.

وفي النهاية، فإن العناية بأسنان الطفل ليست مجرد وسيلة للحصول على ابتسامة صحية، بل جزء من العناية بصحته الجسدية والنفسية معًا. فالأسنان السليمة تساعد الطفل على تناول الطعام والتحدث والابتسام بثقة، بينما يمكن للمشكلات غير المعالجة أن تؤثر في راحته ومزاجه وتركيزه وعلاقاته بالآخرين.

لذلك، فإن تعليم الطفل العناية بأسنانه منذ الصغر، والحرص على الزيارات المنتظمة لطبيب الأسنان، والانتباه إلى أي علامات غير طبيعية، كلها خطوات بسيطة يمكن أن تحمي صحته وتساعده على بناء علاقة إيجابية مع مظهره وصحته وثقته بنفسه.

مقالات ذات صلة