شعور الطفل بالملل مفتاح لاكتساب مهارات حياتية أساسية
في ظل تسارع وتيرة الحياة الحديثة وكثرة المحفزات الرقمية، بات شعور الطفل بالملل يُنظر إليه على أنه حالة سلبية تستوجب التدخل السريع من الأهل، سواء عبر تقديم الأجهزة الإلكترونية أو ملء وقت الطفل بأنشطة منظمة بشكل دائم. غير أن خبراء في علم النفس والتربية يؤكدون أن هذا التصور شائع لكنه غير دقيق، إذ يرون أن الملل ليس مشكلة بحد ذاته، بل مرحلة طبيعية ومهمة في مسار النمو النفسي والمعرفي للطفل، وقد يكون مفتاحًا لاكتساب مهارات حياتية أساسية لا تقل أهمية عن التعلم الأكاديمي.
يشير المختصون إلى أن شعور الطفل بالملل يمثل إشارة داخلية تدفعه إلى التفاعل مع ذاته ومحيطه بطريقة أعمق. فعندما يغيب الترفيه الجاهز والمحفزات السريعة، يبدأ الطفل في البحث عن بدائل ذاتية، ما يفتح المجال أمامه للتخطيط، واتخاذ القرار، وتنظيم وقته، واختيار النشاط الذي يناسبه. هذه العمليات الذهنية البسيطة تشكّل أساسًا مهمًا لتنمية الاستقلالية وتحمل المسؤولية في مراحل لاحقة من حياته.
كما يوضح الخبراء أن الملل يلعب دورًا محوريًا في تعزيز الإبداع وتنمية الخيال. فغياب الأنشطة المفروضة أو الشاشات الجاهزة يدفع عقل الطفل إلى الابتكار، فيخترع ألعابًا بسيطة، أو يعيد توظيف الأدوات من حوله، أو ينسج عوالم خيالية خاصة به. هذه اللحظات، التي قد تبدو عادية أو غير منتجة في نظر الكبار، تُعد في الواقع مساحة خصبة لتطور التفكير الإبداعي والمرونة الذهنية.
إضافة إلى ذلك، يساعد الملل الطفل على التعرف إلى مشاعره والتعامل معها. فبدل الهروب الفوري من الشعور بعدم الراحة، يتعلم الطفل تدريجيًا كيفية تحمل الانزعاج البسيط، وفهمه، وإيجاد طرق ذاتية لتجاوزه. ويؤكد المتخصصون أن هذه القدرة تُعد أساسًا مهمًا للصحة النفسية، إذ تُمكّن الطفل من التعامل مع الضغوط والتحديات المستقبلية بثبات أكبر.
وفي المقابل، يحذّر الخبراء من الإفراط في إشغال الأطفال بالأنشطة المنظمة أو تعريضهم المستمر للأجهزة الإلكترونية. فالأطفال الذين نادرًا ما يُمنحون فرصة للشعور بالملل قد يواجهون صعوبة في التعامل معه لاحقًا، ويصبحون أكثر اعتمادًا على المحفزات الخارجية للشعور بالمتعة أو الرضا. كما قد يؤدي ذلك إلى ضعف في مهارات المبادرة الذاتية، وقلة الصبر، وتراجع القدرة على الإبداع.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يقدّم المختصون مجموعة من التوصيات العملية للأهالي، أبرزها الاعتراف بأن الملل حالة طبيعية وصحية في حياة الطفل، وعدم التعامل معها بوصفها مشكلة طارئة. وينصحون الأهل بتجنب تقديم الحلول الجاهزة فورًا، والاكتفاء باقتراح أفكار عامة تتيح للطفل حرية الاختيار والتنفيذ. كما يشددون على أهمية تخصيص أوقات هادئة خالية من الشاشات، تتيح للطفل مساحة للتأمل، واللعب الحر، وتنمية مهاراته الذاتية بعيدًا عن التوجيه المستمر.
الخلاصة
يؤكد خبراء التربية وعلم النفس أن الملل ليس فراغًا يجب ملؤه بسرعة، بل فرصة تربوية ثمينة إذا أُحسن التعامل معها. فمن خلال منح الطفل الوقت والمساحة ليشعر بالملل ويتجاوزه بنفسه، نساعده على بناء مهارات حياتية أساسية، مثل التخطيط، واتخاذ القرار، والإبداع، والوعي الذاتي، وهي مهارات سترافقه وتدعمه في مختلف مراحل حياته.
