خلف الألوان الزاهية: محتوى كرتوني يمرر رسائل لا تليق بالأطفال

 خلف الألوان الزاهية: محتوى كرتوني يمرر رسائل لا تليق بالأطفال


يشهد الفضاء الرقمي اليوم تدفّقاً هائلاً من المحتوى الموجّه للأطفال، جزء كبير منه يُقدَّم في قوالب كرتونية جذابة توحي بالبراءة والتسلية. غير أن هذا الغلاف الطفولي لا يعكس دائماً حقيقة المضامين التي يتضمنها بعض هذا المحتوى، إذ بدأت تتصاعد تحذيرات أسرية وتربوية من انتشار مواد كرتونية تحمل رسائل وسلوكيات لا تنسجم مع الخصائص النمائية للأطفال ولا مع القيم المجتمعية، ما يثير قلقاً متزايداً حول تأثيراتها النفسية والتربوية بعيدة المدى.

قلق أسري يتنامى

لم تعد مخاوف الأهالي مجرّد ملاحظات فردية متفرقة، بل تحوّلت إلى قضية تربوية حقيقية. كثير من أولياء الأمور باتوا يلاحظون تغيرات مفاجئة في مفردات أطفالهم أو في أسلوب لعبهم وتفاعلهم، دون أن يدركوا في البداية أن مصدر هذه التحولات قد يكون مقاطع كرتونية أو أغانٍ موجهة ظاهرياً للأطفال.

تظهر المشكلة حين يردّد الطفل عبارات لا تتناسب مع عمره أو يطرح أسئلة تفوق مرحلته الإدراكية، ما يدفع الأهل إلى مراجعة المحتوى الذي يتابعه، ليكتشفوا أن بعض المقاطع تتضمن إيحاءات أو أنماط تفاعل لا تنتمي إلى عالم الطفولة. الخطورة هنا تكمن في أن هذه الرسائل لا تُقدَّم بشكل مباشر وصادم، بل تمرَّر بهدوء عبر الموسيقى والألوان والشخصيات المحببة.

غلاف كرتوني… ومضامين مقلقة

تعتمد هذه المواد على عناصر جذب بصرية وسمعية قوية: ألوان زاهية، إيقاع سريع، شخصيات لطيفة، وأغانٍ سهلة الحفظ. لكن خلف هذا الإطار الترفيهي، قد تختبئ عبارات وسلوكيات تتجاوز وعي الطفل، أو تطبّع أنماط تفاعل غير مناسبة بين الصغار.

وبحكم طبيعة الطفل في سنواته الأولى، حيث يعتمد التعلم بشكل كبير على التقليد والتكرار، فإنه لا يتعامل مع المحتوى بوصفه مادة تحتاج إلى تحليل، بل يلتقطه كأنموذج سلوكي جاهز للتطبيق. هو قد لا يفهم المعنى الكامل للكلمات، لكنه يقلّد النبرة والحركات وطريقة التفاعل، ما يجعل التأثير سلوكياً قبل أن يكون لغوياً أو فكرياً.

تأثيرات نفسية وسلوكية مبكرة

يشير مختصون في علم النفس التربوي إلى أن مرحلة الطفولة المبكرة، خصوصاً بين 3 و8 سنوات، تُعدّ فترة شديدة الحساسية في تشكيل المفاهيم والقيم. في هذه المرحلة، تتكوّن لدى الطفل صورة أولية عن الحدود الشخصية، وطبيعة العلاقات، وما هو مقبول أو مرفوض اجتماعياً.

التعرّض المتكرر لمحتوى يتضمن رسائل غير ملائمة قد يؤدي إلى:
• تشويش المفاهيم: يختلط على الطفل ما ينتمي لعالم الكبار وما يخص الأطفال.
• إزاحة مبكرة للحدود النفسية: يعتاد أنماط تعبير أو حركات لا تتناسب مع عمره.
• تقليد سلوكيات غير ناضجة: يظهر الطفل وكأنه أكبر من سنّه من حيث الأسلوب أو المفردات.
• ضعف التمييز القيمي: تتراجع قدرته على فهم الفروق بين السلوك المقبول وغير المقبول.

ومع التكرار، لا تبقى هذه الرسائل عابرة، بل تُخزَّن في الذاكرة السلوكية وتتحول إلى أنماط يتصرف الطفل على أساسها في المدرسة أو المنزل أو مع أقرانه.

خطر “التطبيع” الصامت

لا تكمن الخطورة في مشهد واحد أو كلمة بعينها، بل في التراكم. فحين يُعاد تقديم رسائل معينة في سياق مرح ومحبب، يفقد الطفل حساسيته تجاه غرابتها، ويبدأ في اعتبارها جزءاً طبيعياً من التفاعل اليومي. هذا “التطبيع الصامت” قد يؤثر لاحقاً في طريقته في فهم العلاقات والاحترام والخصوصية.

كما قد ينعكس الأمر على الجانب الانفعالي، فيظهر الطفل ميلاً أكبر للتحدي أو الاستفزاز، أو يستخدم لغة لا تليق بعمره، دون إدراك لثقلها أو دلالاتها.

مسؤولية مشتركة… وليست أسرية فقط

حماية الطفل في البيئة الرقمية لا يمكن أن تُلقى على عاتق الأسرة وحدها، رغم أن دورها محوري. فالمسؤولية تمتد لتشمل:

أولاً: الأسرة
• المتابعة النشطة لما يشاهده الطفل، لا الاكتفاء بالمنع أو السماح.
• المشاهدة المشتركة قدر الإمكان وفتح حوار بسيط حول المحتوى.
• استخدام أدوات الرقابة الأبوية وتحديث إعدادات الأمان بشكل دوري.

ثانياً: المؤسسات التربوية
• توعية الأهالي بالمخاطر الرقمية الواقعية، لا الافتراضية فقط.
• إدماج التربية الإعلامية الرقمية في الأنشطة والمناهج.
• تعليم الأطفال، بلغة تناسب أعمارهم، مهارات التمييز بين المحتوى المناسب وغير المناسب.

ثالثاً: المنصات الرقمية والجهات الرقابية
• تطوير أنظمة تصنيف أكثر دقة تراعي الخصائص النفسية والنمائية، لا العمر الرقمي فقط.
• الجمع بين الخوارزميات والمراجعة البشرية المتخصصة، خصوصاً في محتوى الأغاني والرسوم المتحركة.
• تسريع آليات الإبلاغ عن المحتوى الضار وتوضيح إجراءات الاستجابة بشفافية.

نحو بيئة رقمية أكثر أماناً

أصبح واضحاً أن المحتوى الكرتوني ليس بريئاً بالضرورة، وأن الشكل الطفولي لا يضمن سلامة المضمون. ومع ازدياد الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات، تتحول مسألة الحماية الرقمية من خيار تربوي إلى ضرورة اجتماعية.

إن بناء طفل متوازن نفسياً وقيمياً في العصر الرقمي يتطلب وعياً جماعياً، وتعاوناً بين الأسرة والمدرسة والمنصات والجهات التنظيمية. فكل رسالة يتلقاها الطفل اليوم تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تشكيل شخصيته غداً. وحين يتعلق الأمر بالطفولة، فإن الوقاية المبكرة تظل دائماً أقل كلفة بكثير من العلاج المتأخر.

مقالات ذات صلة