توحيد جهود الأم والأب لبناء أسرة قوية
يعد أساس بناء أي أسرة قوية ومستقرة قادرًا على مواجهة تحديات الحياة اليومية، هو التفاهم والتعاون بين الأم والأب. فالتربية الناجحة لا تتحقق بمفرد أحد الوالدين، بل تتطلب أن يكون كلاهما على درجة عالية من الانسجام في أسلوب التربية، في القرارات المتعلقة بالأطفال، وفي رؤية الأولويات. كلما كان هذا الثنائي متفاهمًا، زادت قوة الأسرة واستقرت قيمها، وكلما كان متنافرًا، ظهرت الفجوة بين الأفراد، وضعف التماسك الأسري.
المعادلة بسيطة: نجاح التربية يعتمد على توافق رؤية الأب والأم تجاه أولويات أطفالهم. فإذا اتبع الأب أسلوبًا معينًا في التوجيه أو العقاب أو التشجيع، وكان هذا الأسلوب مختلفًا تمامًا عن أسلوب الأم، فإن جهود كل منهما لن تؤتي النتائج المرجوة. فمثلاً، إذا رأت الأم أن العقاب بالحرمان وسيلة فعّالة لتقويم سلوك الطفل، بينما يرضخ الأب لجميع رغباته ويغدق عليه بالمتعة والمكافآت، فإن جهود الأم ستضيع بلا فائدة. في المقابل، إذا كان الأب يعتمد الصرامة والمكافأة فقط، بينما تتساهل الأم في القواعد، فإن الطفل سيجد منافذ للهروب من المسؤولية، وستفقد أي محاولة تربوية فعاليتها.
في حياتنا اليومية كثيرًا ما يُلاحظ هذا التنافر بين الأم والأب في مواقف متعددة. فقد يُرى الوالدان في مكان عام وهما في نقاش حاد حول تنفيذ رغبات الطفل، أو سماع الأب يقول إن الأطفال لا يستحقون اللعب لأنهم لم يذاكروا، بينما تتساءل الأم عن جدوى الحرمان وتعارضه. هذا التناقض يجعل الأطفال يشعرون بالارتباك، ويجعلهم يستغلون الفرص للتملص من المسؤوليات. فقد يميل الطفل في موقف إلى الأم ويركن إليها متجنبًا الأب، وفي موقف آخر يتقرب من الأب لتجنب ما تفرضه الأم من قواعد، بما يعكس سلوكه الطفولي في محاولة تحقيق رغباته الشخصية والهروب من الالتزامات.
إن التنافر وعدم التفاهم بين الوالدين له آثار تربوية سلبية على الطفل. فهو يغرس الانتهازية في الأطفال، ويعلّمهم التنقل بين الوالدين بحسب مصالحهم الخاصة، بعيدًا عن تحمل المسؤولية أو تعلم أي قيمة حياتية مفيدة. هذا السلوك قد يمتد إلى المدرسة والمجتمع، إذ يظهر الطفل كسلوك غير متوازن أو غير متعاون، ويصعب عليه الالتزام بالقواعد أو احترام السلطة إذا لم يشعر بالانسجام داخل بيته أولًا.
ولذلك، تعتبر الخطوة الأولى لبناء أسرة متماسكة، يترسخ فيها التعاون والرغبة في التعلم، هي توحيد جهود الأم والأب وأفكارهما أمام الأطفال. يجب على الوالدين الاتفاق على القواعد والحدود، وعدم إظهار أي بوادر للخلاف أو التناقض أمام الصغار. كما يُنصح بالتواصل المستمر بينهما لمراجعة طرق التربية، ومشاركة الآراء بشكل هادئ، حتى يشعر الأطفال بالاستقرار والطمأنينة.
كما أن تقديم نموذج موحد في التعامل مع التحديات الحياتية يعزز قدرة الطفل على فهم القيم الأساسية مثل الاحترام المتبادل، الصبر، التعاون، والانضباط الذاتي. الأطفال الذين ينشأون في بيئة متجانسة من حيث التربية والتفاهم بين الوالدين، هم أكثر قدرة على تطوير شخصيات متوازنة ومستقلة، وأكثر استعدادًا لمواجهة تحديات الحياة المستقبلية بثقة ومسؤولية.
