«تعديل الجينات الوراثية: استثمار مؤسس. ChatGpt وزوجِه بين الوقاية من الأمراض والجدل الأخلاقي»

 «تعديل الجينات الوراثية: استثمار مؤسس. ChatGpt وزوجِه بين الوقاية من الأمراض والجدل الأخلاقي»

شارك سام ألتمان، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة OpenAI المطوِّرة لنظام ChatGPT، وزوجُه أوليفر مولهرين في استثمار مهم داخل شركة تقنية حيوية ناشئة تُدعى Preventive، تعمل على أبحاث تعديل الجينات في الأجنة البشرية بهدف الوقاية من الأمراض الوراثية الخطيرة قبل ولادة الطفل. وقد نجحت الشركة في جمع تمويل كبير من مستثمرين بارزين، مما أثار اهتماماً واسعاً في الأوساط العلمية وموجة من النقاشات الأخلاقية في الوقت ذاته.

الرؤية العلمية لمهمة الشركة

تتبنى شركة Preventive تقنية متقدمة لتحرير الجينات تسمى «كريسبر»، وهي تقنية تسمح بتعديل أجزاء من الحمض النووي داخل الجنين قبل أن يُزرع في رحم الأم. الهدف المعلن لهذه العملية هو منع انتقال اضطرابات وراثية خطيرة إلى الأطفال، وبالتالي الحد من المعاناة الناجمة عن أمراض وراثية لا شفاء لها بعد الولادة. ويرى مؤيدو هذه الفكرة أنها تمثل تقدماً طبياً واعداً في الوقاية من أمراض مستعصية يصعب علاجها تقليدياً.

وقد جمعت الشركة نحو ثلاثين مليون دولار من مستثمرين في وادي السيليكون، بينهم مؤسس منصة Coinbase وغيرهم من المستثمرين التقنيين، إلى جانب استثمار ألتمان وزوجِه، وهو ما يعكس ثقة بعض المستثمرين في إمكانيات هذه التكنولوجيا المستجدة.

القيود القانونية العالمية

رغم الطموحات العلمية، فإن تعديل الجينات الوراثية التي تنتقل إلى الأجيال المقبلة يبقى محظوراً أو مقيداً بشدة في معظم دول العالم. ويرجع ذلك إلى أن نتائج هذه الإجراءات قد تكون دائمة وغير قابلة للإلغاء، وقد تؤدي إلى تغييرات في جينوم الإنسان تمتد آثارها إلى المستقبل دون إمكانية التنبؤ الكامل بعواقبها. ولهذا السبب، تعتمد أكثر من سبعين دولة قوانين صارمة تمنع أو تقيد بشدة إجراء مثل هذه التعديلات على الأجنة البشرية.

ويرى المختصون أن الطبيعة الدائمة للتعديل الوراثي تزيد من المخاطر العلمية، إذ قد ينتج عن التعديل ظهور تأثيرات غير مرغوبة أو مضاعفات صحية لا يمكن علاجها فيما بعد، مما يرفع سقف المخاطر مقارنة بأي تدخل طبي آخر.

الجدل الأخلاقي والاجتماعي

أثار هذا الاستثمار وإمكانيات التكنولوجيا التي تعمل عليها الشركة جدلاً واسعاً بين العلماء والمختصين في الأخلاق الحيوية والمجتمعية. فمن جهة، يعتقد البعض أن الوقاية من الأمراض الوراثية عبر التعديل الجيني قد تنقذ حياة آلاف الأشخاص، وتقلل من معاناة الأسر المتأثرة بأمراض وراثية خطيرة. ومن جهة أخرى، يخشى كثير من النقاد من أن هذا التوجه قد يفتح الباب أمام التلاعب الجيني غير الطبي، مثل تعديل الصفات الشخصية أو الشكلية لدى الأطفال لأغراض تجميلية أو اجتماعية، وهو ما يُعرف بـ«الأطفال المصمَّمين».

وتثير هذه الاحتمالات تساؤلات جدية حول عدم المساواة الاجتماعية، إذ قد تصبح تقنيات التعديل الجيني متاحة فقط للأثرياء، مما يخلق فجوة بين الطبقات الاجتماعية في الوصول إلى تحسينات جينية. كما يُخشى من أن يؤدي ذلك إلى انزلاق نحو ممارسات تحسين النسل بصيغ حديثة، ما يفتح باباً لممارسات أخلاقية خطيرة تتصل بحق الإنسان في صفاته البيولوجية الأساسية.

الوضع الحالي للشركة وأنشطتها

حتى الوقت الراهن، لا تزال شركة Preventive في مرحلة البحوث قبل السريرية، ولم تُجرَ أي تجارب على البشر، كما لم يولد أي طفل حاصل على تعديل جيني ضمن أنشطة الشركة. وتقول إدارة الشركة إنها تركز أولاً على إثبات سلامة وفاعلية التقنية في المختبر قبل التفكير في أي تطبيقات سريرية، وهو ما يمثل خطوة أساسية في هذا النوع من الأبحاث الحسّاسة.

كما تبحث الشركة عن بيئات قانونية وتنظيمية قد تكون أكثر مرونة لتطوير أبحاثها، لكن حتى اللحظة لا يوجد تأكيد رسمي على مكان محدد يُجرى فيه هذا النوع من التجارب. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدول، مثل الإمارات العربية المتحدة، لديها قوانين تحظر تعديل جينات الأجنة بشكل صريح، مما يحدّ من إمكانية إجراء مثل هذه الأبحاث داخل حدودها.

الخلاصة

يمثل استثمار سام ألتمان وزوجِه في شركة تعديل الجينات نقطة التقاء بين الأمل العلمي والتحديات الأخلاقية العميقة. فمن جهة، هناك إمكانات كبيرة للقضاء على الأمراض الوراثية الخطيرة قبل أن تُسبب الألم والمعاناة للأسر. ومن جهة أخرى، تطرح هذه التكنولوجيا أسئلة معقدة عن حدود تدخل الإنسان في الحياة البشرية، وعن المخاطر المحتملة التي يمكن أن تنجم عن تحرير جينات بشرية قابلة للوراثة.

وفي ظل التطور السريع في هذا المجال، تبقى الحاجة ملحة إلى حوار دولي دائم بين العلماء والقانونيين والأخلاقيين، لضمان توجيه هذه التقنيات الحديثة نحو ما يخدم الإنسانية ويحمي حقوق الأفراد، دون أن يمس جوهر الإنسان وطبيعته البيولوجية الأساسية.

مقالات ذات صلة