تراجع تناول الطعام في مرحلة المراهقة: الأسباب وسبل الدعم
تمر مرحلة المراهقة بتغيرات جسدية ونفسية واجتماعية عديدة، وقد تؤثر هذه التغيرات بشكل كبير على سلوك تناول الطعام لدى المراهقين. من الطبيعي أن يتغير نمط الأكل لديهم خلال هذه المرحلة، وقد يظهر لدى البعض امتناع مؤقت عن تناول الطعام أو فقدان للشهية، وهو ما يثير قلق الأهل ويجعلهم يبحثون عن الأسباب الكامنة وراء هذا السلوك.
في كثير من الحالات، يكون فقدان الاهتمام بالطعام ناتجًا عن تغيّر الروتين اليومي أو عاداتهم الغذائية، مثل حذف وجبة الإفطار بسبب الاستيقاظ المتأخر أو الانشغال بالدراسة. كما أن معدل النشاط البدني المرتفع والنمو السريع للجسم يمكن أن يجعل المراهق يشعر أحيانًا بعدم الجوع الكافي لتلبية احتياجاته الغذائية، ما يؤدي إلى فقدان الوزن تدريجيًا.
إضافة إلى العوامل الجسدية، هناك عدة عوامل نفسية واجتماعية تلعب دورًا في امتناع المراهق عن الأكل. من أبرزها ضغط الأقران، حيث يتأثر المراهقون بزملائهم في المدرسة أو أصدقائهم، وقد يدفعهم ذلك إلى محاولة الالتزام بمعايير معينة للجسم أو المظهر، مما يجعل البعض يمتنع عن الطعام بهدف فقدان الوزن أو الانسجام مع هذه المعايير.
كما يمكن أن يؤدي التوتر والقلق إلى انخفاض الشهية. فالمراهقة فترة يزداد فيها الضغط النفسي بسبب التوقعات الدراسية، والمنافسة بين الزملاء، والمتطلبات الاجتماعية، ما قد يجعل المراهق يتجاهل الطعام أو يفقد الرغبة في تناوله. وفي بعض الحالات، قد يكون الامتناع عن الأكل مؤشرًا على اضطرابات نفسية أعمق مثل الاكتئاب، حيث يفقد المراهق الاهتمام بالأنشطة اليومية بما فيها تناول الطعام، وقد يرافق ذلك تغيرات في المزاج أو العزلة عن الآخرين.
كما يجب الانتباه إلى اضطرابات الأكل التي قد تظهر في سن المراهقة، مثل الرغبة المفرطة في النحافة والخوف الشديد من زيادة الوزن. هذه الاضطرابات تدفع المراهقين إلى تقييد طعامهم أو الامتناع عنه بشكل كامل، وغالبًا ما ترتبط بصورة الجسم وتقدير الذات، إضافة إلى الضغوط الاجتماعية والمقارنات المستمرة مع الآخرين.
ولا يمكن إغفال الأسباب الصحية الجسدية، إذ قد يؤدي وجود مشكلات في الجهاز الهضمي أو أمراض مزمنة إلى فقدان الشهية أو صعوبة تناول الطعام بسبب الألم أو الانزعاج. في مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري استشارة الطبيب للتأكد من عدم وجود مشكلة صحية تتطلب العلاج.
عند مواجهة حالة امتناع المراهق عن الطعام، يجب على الأهل أخذ الأمر بجدية، خصوصًا إذا صاحبه فقدان ملحوظ في الوزن، تغير في المزاج، سلوك عصبي، أو عزلة اجتماعية. هذه المؤشرات قد تدل على حاجة المراهق إلى دعم نفسي أو طبي متخصص، وليس مجرد تغير مؤقت في العادات الغذائية.
لتشجيع المراهق على تناول الطعام، يمكن للأهل اتباع بعض الاستراتيجيات العملية، مثل الحوار المفتوح والاستماع إلى مخاوفه دون إصدار أحكام، وفهم الدوافع النفسية وراء فقدان الشهية. كما يمكن تحسين بيئة الطعام في المنزل من خلال تقديم وجبات متنوعة وجذابة، وتقسيمها إلى وجبات صغيرة متعددة بدلًا من ثلاث وجبات كبيرة، لتقليل شعور الطفل بالضغط أثناء الأكل.
كما يساعد النشاط البدني المنتظم على زيادة الشهية وتحسين المزاج، بينما يسهم التثقيف حول مفاهيم الوزن الصحي وفهم الفروق بين الصحة والمظهر المثالي في توجيه المراهق نحو سلوكيات غذائية سليمة.
الخلاصة
إن امتناع المراهق عن تناول الطعام قد يكون ناتجًا عن أسباب متعددة، من التغيرات الطبيعية في العادات الغذائية إلى الضغوط النفسية واضطرابات الأكل، وحتى أسباب صحية جسدية. لذلك، يحتاج الأهل إلى متابعة دقيقة وحساسة، مع اللجوء إلى المتخصصين عند الضرورة، لضمان حصول المراهق على غذاء صحي متوازن يدعم نموه الجسدي والعقلي في هذه المرحلة المهمة من حياته.
