“تحديات الخنق”.. من تسلية عابرة إلى خطر يهدد حياة الطلاب
حذّرت هيئة الصحة في دبي من ممارسات خطرة تتسلّل إلى حياة الطلبة عبر منصات التواصل الاجتماعي وتستدرجهم تدريجيًا إلى سلوكيات قد تكون قاتلة. فمع ازدياد انتشار المحتوى غير الخاضع للرقابة، ظهرت بين الأطفال والمراهقين ما بات يعرف بـ«تحديات الخنق» أو «سلوكيات تقييد التنفس». وهذه الظاهرة، رغم أنها تبدو في ظاهرها تجربة مثيرة أو لعبة عابرة، تخفي وراءها مخاطر جسيمة قد تؤدي إلى فقدان الوعي، إصابات دماغية دائمة، أو في أسوأ الحالات، وفاة الطفل.
تقوم فكرة هذه التحديات على إيقاف أو تقليل تدفق الأكسجين إلى الدماغ لثوانٍ أو دقائق قصيرة، سواء من خلال الضغط على الرقبة والصدر، أو باستخدام أحزمة وحبال، أو حتى عبر حبس النفس عمدًا. وغالبًا ما تُمارس هذه السلوكيات بشكل فردي أو جماعي، حيث يؤدي أحد الأطفال دور الضاغط بينما يخضع آخر للتجربة. وفي أحيان كثيرة، يتم تصوير المشهد ومشاركته عبر الإنترنت على اعتباره «تحديًا» ممتعًا يستحق التقليد.
وتشير الهيئة إلى أن الطلبة لا يكتفون بممارسة هذه التحديات سرًا، بل يعمدون إلى إطلاق مسميات خادعة تُستخدم فيما بينهم لإخفاء طبيعتها الحقيقية عن البالغين. فبدل استخدام مصطلحات قد تثير شك الوالدين أو المعلمين، تُستبدل هذه السلوكيات بأسماء جذابة أو ساخرة مثل «خدعة الإغماء» أو «لعبة التعتيم» أو «القرد الفضائي»، وهي تسميات تخدع الرقابة المدرسية والأسر، وتمنح الطفل شعورًا زائفًا بالأمان.
واللافت أن الفئة العمرية الأكثر انجذابًا إلى هذه التحديات تتراوح بين سن العاشرة والسادسة عشرة، مع تسجيل حالات عالمية لدى أطفال في عمر سبع سنوات فقط. ويرتبط هذا الانتشار بعوامل نفسية واجتماعية متعددة؛ فالأطفال في هذه المرحلة يسعون إلى إثبات أنفسهم أمام أقرانهم، وإبراز شجاعتهم، وتجنب وصفهم بالخوف أو الفشل. كما أن المراهقين بطبيعتهم يميلون إلى التجربة والمجازفة دون تقدير واضح للعواقب، إضافة إلى أن الكثير منهم لا يملك فهمًا حقيقيًا لمفهوم الموت وما يعنيه فقدان الوعي أو توقف التنفس للحظات.
وفي إطار مواجهة هذا الخطر، نظمت هيئة الصحة جلسة افتراضية موسعة بالتعاون مع هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي، جمعت أكثر من ألف ولي أمر من مختلف المدارس. هدفت الجلسة إلى رفع وعي الأهل بمخاطر هذه التحديات، وتزويدهم بالمعرفة والأدوات اللازمة لرصد السلوكيات الغريبة لدى أطفالهم قبل أن تتطور إلى نتائج كارثية. وخلال الجلسة، عرض المتخصصون شرحًا مبسطًا للآلية الطبية لهذه الظاهرة، موضحين أن الشعور الذي يلاحقه الأطفال تحت اسم «النشوة» ليس سوى علامة إنذار خطيرة تشير إلى معاناة خلايا الدماغ من نقص الأكسجين.
وأوضح الخبراء أن الضرر الناتج عن هذه الممارسات لا يُقاس فقط بخطر فقدان الوعي، بل بما يتبع ذلك من مضاعفات قد لا تظهر فورًا. فحرمان الدماغ من الأكسجين لدقائق معدودة قد يؤدي إلى موت خلايا عصبية لا يمكن استعادتها، ما يسبب مشاكل في الذاكرة، وتراجعًا في الأداء الأكاديمي، وتغيرات في السلوك والشخصية، أو حتى دخول الطفل في غيبوبة أو نوبات تشنجية. وفي الحالات التي يمارس فيها الطفل التحدي منفردًا، ترتفع احتمالات وفاة مفاجئة بسبب غياب أي شخص قادر على التدخل أو إنعاشه عند فقدانه الوعي.
ورغم ما تحمله هذه الظاهرة من مخاطر حقيقية، ترى الهيئة أن التعامل معها لا يجب أن يكون عبر التهديد أو الترهيب، بل بالحوار الصريح المبني على المعرفة. فقد شدّد المتخصصون على أهمية فتح نقاش هادئ مع الأبناء، يشرح لهم ماهية هذه الظاهرة ونتائجها العلمية دون تخويف مبالغ فيه. فالصمت، كما أكدت الجلسة، يترك الأطفال عرضة لتلقي معلومات مضللة من أصدقائهم أو من الإنترنت، بينما يمنحهم الحديث الصادق فرصة لتقييم الأمور بوعي ورفض السلوكيات الخطرة.
الخلاصة
تشدّد الجهات الصحية على أن مواجهة تحديات الخنق ليست مسؤولية المدرسة وحدها ولا الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقًا بين الطرفين، ومتابعة دائمة للمحتوى الذي يستخدمه الأطفال، وتعزيز ثقافة رقمية تحميهم من المخاطر المخفية خلف ما يبدو لعبة أو تجربة غير مؤذية. فالحفاظ على سلامة الأطفال في زمن المفتوح الرقمي يتطلّب يقظة مستمرة، حوارًا دافئًا، وثقة متبادلة تُغنيهم عن البحث عن المغامرة في أماكن قد تسلب منهم أغلى ما يملكون: حياتهم.
