تأثير نشاط الأب البدني في صحة أطفاله قبل الولادة

 تأثير نشاط الأب البدني في صحة أطفاله قبل الولادة

كان يُعتقد سابقًا أن الجينات تُورَّث بشكل ثابت لا يمكن التأثير فيه، وأن الإنسان يولد بما يرثه من صفاته الوراثية دون تدخل من أسلوب الحياة. غير أن علم الوراثة فوق الجينية غيّر هذا الفهم، إذ أثبت أن نمط حياة الوالدين، ولا سيما الأب، يمكن أن يؤثر في طريقة عمل الجينات لدى الأبناء حتى قبل ولادتهم.

وقد أظهرت أبحاث علمية أن ممارسة الأب للنشاط البدني قبل الإنجاب تسهم في تعديل التعبير الجيني لدى الأطفال في المستقبل. ولا يعني ذلك تغيير الحمض النووي ذاته، بل تغيير الجينات التي يتم تنشيطها أو تعطيلها، من خلال آليات بيولوجية دقيقة تُعرف بالتعديلات فوق الجينية.

وتحدث هذه التغييرات عبر علامات المَثْيَلة الموجودة على الحمض النووي للحيوانات المنوية، حيث تؤدي ممارسة الرياضة بانتظام إلى تعديل هذه العلامات، خاصة في الجينات المرتبطة بعملية التمثيل الغذائي والقدرة على مقاومة التوتر. وبذلك يرث الطفل الشيفرة الوراثية مقرونة بإعدادات متأثرة بأسلوب حياة والده.

وقد دعمت التجارب الحيوانية هذه النتائج، إذ تبيّن أن الذكور النشيطة بدنيًا قبل التزاوج أنجبت صغارًا يتمتعون بقدرة أفضل على تنظيم مستويات السكر في الدم وبانخفاض خطر الإصابة بالسمنة، حتى عندما نشأ هؤلاء الصغار في بيئة قليلة الحركة، ما يدل على أن هذه التأثيرات كانت مبرمجة منذ البداية.

وتشير هذه النتائج إلى أن عادات الأب اليومية تترك أثرًا مباشرًا في صحة أبنائه المستقبلية، فكما أن النشاط البدني يخلّف آثارًا إيجابية، فإن التدخين، أو الإفراط في الكحول، أو التعرّض المزمن للضغوط النفسية قد يترك بصمات سلبية في الشيفرة فوق الجينية للأطفال.

وغالبًا ما يُنظر إلى صحة الأم أثناء الحمل باعتبارها العامل الأهم في تشكيل صحة الطفل، إلا أن هذه المعطيات تؤكد أن للأب دورًا أساسيًا يبدأ قبل حدوث الحمل بوقت طويل. فكل نشاط بدني يحرص عليه الأب يُعد استثمارًا في صحته، وفي صحة الأجيال القادمة أيضًا.

مقالات ذات صلة