تأثير الصحة النفسية للأب على نمو الطفل

 تأثير الصحة النفسية للأب على نمو الطفل

لطالما ركزت الدراسات على دور الأم في نمو الطفل منذ الحمل وحتى المراحل المبكرة من حياته، إلا أن الأبحاث الحديثة تؤكد أن للآباء دورًا مهمًا لا يقل تأثيرًا على تطور الطفل في مختلف المجالات، بدءًا من النمو الاجتماعي والعاطفي وصولًا إلى القدرات المعرفية والبدنية. وتشير دراسة حديثة إلى أن الضيق النفسي لدى الأب، بما في ذلك الاكتئاب والقلق والتوتر، يمكن أن يؤثر على بعض جوانب نمو الطفل بشكل طفيف ولكنه ملموس.

الضيق النفسي لدى الأب: ما هو؟

الضيق النفسي هو حالة يشعر فيها الشخص بالاكتئاب، أو القلق، أو التوتر، أو مزيج من هذه الحالات. وأظهرت الدراسة أن الآباء قد يمرون بهذه المشاعر خلال المرحلة المحيطة بالولادة، الممتدة من بداية الحمل وحتى عامين بعد ولادة الطفل. وتعتبر هذه الفترة حساسة جدًا لتطور الطفل، حيث أن الأبناء يكونون أكثر تأثرًا بالحالة النفسية للوالدين في هذه المرحلة الحرجة من حياتهم.

تشير البيانات إلى أن نسبة الآباء الذين يعانون من الاكتئاب خلال هذه المرحلة تصل إلى حوالي 8%، بينما يعاني نحو 11% من القلق، و6–9% من مستويات عالية من التوتر.

كيف يؤثر الضيق النفسي للأب على الطفل؟

حلل الباحثون تأثير الضيق النفسي للأب على نمو الطفل في ستة مجالات رئيسية، هي:
1.النمو الاجتماعي والعاطفي
2.التطور التكيفي
3.النمو المعرفي
4.التطور اللغوي
5.النمو البدني
6.المهارات الحركية

وتشمل هذه المجالات قدرة الطفل على تكوين علاقات إيجابية مع الآخرين، وتحقيق التوازن العاطفي، وتطوير مهارات التعلم والانتباه، والقدرات اللغوية والحركية، بالإضافة إلى النمو الجسدي والطول والوزن وصحة النوم.

نتائج الدراسة

أظهرت النتائج أن هناك ارتباطًا طفيفًا إلى متوسط بين الضيق النفسي للأب في المرحلة المحيطة بالولادة وبعض جوانب نمو الطفل، خصوصًا في مجالات التطور الاجتماعي والعاطفي، والمعرفي واللغوي، والنمو البدني. وكانت التأثيرات أكثر وضوحًا خلال مرحلة الطفولة المبكرة، ثم تراجعت تدريجيًا في مراحل الطفولة المتأخرة. كما أظهر التحليل أن الارتباطات كانت أقوى مع الضيق النفسي بعد الولادة مقارنة بما قبل الحمل.

ويرجع الباحثون هذا التأثير جزئيًا إلى أن الضيق النفسي قد يقلل من تفاعل الأب مع الطفل وقدرته على تلبية احتياجاته، مما يؤثر على تكوين علاقة تعلق صحية. ومن المهم التأكيد أن الضيق النفسي للأب ليس العامل الوحيد المؤثر في نمو الطفل، بل هو أحد العوامل ضمن بيئة الطفل الشاملة.

أهمية دعم الآباء نفسيًا

أكدت الدراسة أن دعم الآباء نفسيًا في الفترة المحيطة بالولادة يؤدي إلى نتائج أفضل لنمو الطفل. فالأب الذي يتمتع بصحة نفسية مستقرة يكون قادرًا على التفاعل الإيجابي مع طفله، وتعزيز تطوره الاجتماعي والعاطفي والمعرفي. كما أن تقديم الدعم للآباء يساعدهم على التعامل مع الضغوط اليومية المرتبطة بالأبوة ويقلل من احتمالية ظهور اضطرابات سلوكية لدى الطفل.

وشدد الخبراء على أن طلب المشورة النفسية أو الدعم عند شعور الأب بالقلق أو التوتر أو الاكتئاب ليس دليلاً على ضعف، بل هو خطوة إيجابية تصب في مصلحة الأسرة بأكملها.

الخلاصة

تبرز هذه النتائج أهمية الاهتمام بصحة الأب النفسية تمامًا كما نولي اهتمامًا بصحة الأم. فالآباء الذين يحافظون على استقرارهم النفسي يمكن أن يسهموا في تعزيز نمو الطفل الاجتماعي والمعرفي والبدني. لذا فإن دعم الآباء نفسيًا واجتماعيًا في فترة الحمل وما بعدها هو جزء أساسي من رعاية الطفل وضمان تطوره الصحي الشامل.

الصحة النفسية للأب ليست رفاهية، بل هي ركيزة أساسية لنمو الطفل وصحته العامة، وتمثل استثمارًا طويل المدى في صحة الأسرة وسعادتها.

مقالات ذات صلة