اللعب وتعلّم الأطفال: كيف يجعل التكرار أسرع وأكثر فعالية؟

 اللعب وتعلّم الأطفال: كيف يجعل التكرار أسرع وأكثر فعالية؟

يُعدّ التعلم لدى الأطفال عملية معقّدة تنطوي على تفاعل بين الدماغ والبيئة الخارجية. ومن أهم العوامل التي تساعد الطفل على تعلّم مهارة جديدة أو حفظ معلومة ما هي التكرار، إذ يحتاج الدماغ إلى عدة مرات من التكرار حتى يتمكن من تكوين روابط عصبية جديدة تُسهّل تذكر المعلومات واستدعائها مستقبلًا. غير أن التكرار وحده قد يكون مملًا وغير محفّز للأطفال، مما يقلّل من فعاليته. هنا يأتي دور اللعب كأداة قوية تُسرّع هذه العملية وتُعزّزها بطريقة طبيعية وممتعة.

تشير الأبحاث في علم النفس العصبي إلى أن الدماغ يحتاج عادةً إلى نحو 400 تكرار لتكوين رابط عصبي قوي لمعلومة جديدة أو مهارة، إذا تم ذلك عبر ممارسات تقليدية مثل التدريبات الرسمية أو الواجبات. أما إذا كان الطفل يتعلم من خلال اللعب، فقد تتكوّن هذه الروابط بسهولة وسرعة بعد 10 إلى 20 تكرارًا فقط. يعود السبب في ذلك إلى أن اللعب يُنشيء حالة من التحفيز العاطفي والإيجابي في الدماغ، مما يُشغّل نظام المكافأة ويحفّز إفراز مواد كيميائية مثل الدوبامين، وهي مواد تعزّز الذاكرة والتركيز.

أهمية التكرار في عمليّة التعلم

يُعد التكرار حجر الزاوية في أي عمليّة تعلم:
1. تقوية الاتصالات العصبية:
يتكون التعلم عندما تتحفّز مجموعات من الخلايا العصبية لتنشيط بعضها البعض بشكل متكرر. مع الوقت، يزداد كفاءة هذا الاتصال، فيصبح من السهل على الدماغ استدعاء المعلومة أو تنفيذ المهارة.
2. تنمية المهارة واكتساب الإتقان:
عبر التكرار، يتحول الأداء من كونه بطيئًا ومترددًا إلى أداء سلس ومتقن، وهذا يولّد شعورًا بالإنجاز لدى الطفل، مما يعزز ثقته بنفسه.
3. الفهم العميق للمفاهيم:
التكرار لا يساعد فقط على الحفظ السطحي، بل يمكن الطفل من فهم الفكرة بعمق وجعلها جزءًا من تفكيره وسلوكه.

اللعب كآلية تعليمية فاعلة

اللعب ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل هو أداة تعليمية قوية تُسرّع من عملية التعلم وتُحفّز الدماغ بطرق لا يمكن للتكرار التقليدي أن يحققها بمفرده:
1. تفعيل نظام المكافأة في الدماغ:
عندما يلعب الطفل، يُفرز الدماغ مواد كيميائية مرتبطة بالسرور والمكافأة، مما يجعل التعلم مصحوبًا بمشاعر إيجابية. هذا الشعور يجعل الطفل يميل إلى العودة للتجربة نفسها مرارًا، فيصبح التكرار طبيعيًا وغير إرادي.
2. تعزيز الدافعية الذاتية:
في اللعب، لا يكون الطفل مجبرًا على التكرار، بل يقوم به بدافع داخلي نتيجة للاستمتاع بما يقوم به، سواء كانت هذه اللعبة تعليمية أو ترفيهية. فالطفل الذي يستمتع بما يفعل يميل إلى الاستمرار بلا مقاومة.
3. تعلّم متعدد الأبعاد:
اللعب يجمع بين التعلّم المعرفي (الفهم والاستيعاب)، والعاطفي (التحفيز والمرح)، والاجتماعي (التفاعل مع الآخرين)، ما يُنشئ شبكة من الروابط العصبية أكثر تعقيدًا وترابطًا مما يحققه التكرار الممل.

أمثلة عملية للعب في التعلّم
• الألعاب التعليمية:
مثل الألعاب التي تطلب مطابقة أشكال أو حل ألغاز بسيطة، يمكن استخدامها لتكرار المهارات الأساسية في الرياضيات واللغة.
• اللعب الخيالي:
كأن يلعب الطفل دور بائع أو طبيب أو مدرس، مما يساعده على تطبيق المفاهيم في سياق حياتي واقعي، ويكرّر المهارات اللغوية والاجتماعية.
• الألعاب الجماعية:
التي تعتمد على التعاون والتواصل، فتدعم بنى التعلم الاجتماعي وتكرار المهارات بطريقة ممتعة وتفاعلية.

الفروق بين اللعب والتكرار التقليدي

في التكرار التقليدي، مثل كتابة الكلمات أو حفظ الدروس بشكل روتيني، غالبًا ما يشعر الطفل بالملل أو الضغط، مما يبطئ تكوين الروابط العصبية. أما اللعب فيُحوّل التكرار إلى تجربة ممتعة وذات معنى. فبدل أن يكون الطالب منشغلًا بتنفيذ الواجب فقط، يصبح مستكشفًا، ولاحظ أن هذا يؤدي إلى تعلم أسرع وأعمق وأكثر ثباتًا في الذاكرة.

الخلاصة

يتضح من ذلك أن اللعب ليس ترفًا بل هو عنصر أساسي في تعلم الأطفال. فالتكرار وحده قد يكون فعالاً، لكنه غالبًا يتطلب وقتًا وجهدًا أكبر، بينما في سياق اللعب يصبح التكرار أكثر فعالية وأقل إرهاقًا؛ لأن اللعب يُشغّل نظام المكافأة في الدماغ ويجعل التعلم ممتعًا ومستدامًا. لذلك، يمكن اعتبار اللعب محفزًا فطريًا للتعلم، وهذا يجعل من دمج اللعب داخل الأنشطة التعليمية أداة قوية لتنمية مهارات الأطفال، وتحفيز ذكائهم، وتعزيز رغبتهم في التعلم مدى الحياة.

مقالات ذات صلة