اضطرابات الأكل عند المراهقين الذكور:مؤشرات الخطر ومسؤولية الأسرة

 اضطرابات الأكل عند المراهقين الذكور:مؤشرات الخطر ومسؤولية الأسرة

في السنوات الأخيرة، لم تعد اضطرابات الأكل تُصنَّف على أنها مشكلات صحية تصيب الفتيات فقط، بل بدأت الإحصاءات والدراسات تكشف عن ارتفاع ملحوظ في نسب الإصابة بين الأولاد والمراهقين الذكور. وتشير التقديرات إلى أن ملايين الذكور في الولايات المتحدة مرّوا بتجربة اضطراب أكل في مرحلة ما من حياتهم، وغالبًا ما تبدأ الأعراض بالظهور في سن مبكرة، أحيانًا منذ العاشرة، وتصبح أكثر وضوحًا بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة من العمر. كما تزداد عوامل الخطورة خلال فترات التحوّل الكبرى مثل البلوغ وبداية الدراسة الجامعية، حيث يترافق الضغط النفسي والاجتماعي مع تغيّرات جسدية سريعة.

الأكثر إثارة للقلق هو الارتفاع الكبير في حالات دخول المستشفى بين الأولاد بسبب مضاعفات اضطرابات الأكل خلال العقدين الماضيين. هذا الارتفاع لا يعني فقط زيادة في الأعداد، بل يعكس أيضًا تأخرًا في التشخيص وطلب المساعدة، نتيجة الصورة النمطية التي طالما ربطت اضطرابات الأكل بالإناث فقط. هذا التصوّر الخاطئ جعل الكثير من الأهل وحتى بعض المختصين يتجاهلون الأعراض عند الذكور، ما يؤدي إلى تفاقم الحالة قبل اكتشافها.

تقليديًا، تشمل اضطرابات الأكل حالات مثل فقدان الشهية العصبي والشره المرضي العصبي، وهي اضطرابات ترتبط بالخوف من زيادة الوزن أو بصورة جسدية مشوّهة. ورغم أنها لا تزال أكثر شيوعًا لدى الفتيات، فإن نسبتها بين الأولاد في ارتفاع مستمر. لكن هناك أيضًا اضطرابًا آخر يلفت انتباه الأطباء بشكل متزايد، وهو اضطراب تجنّب أو تقييد تناول الطعام (ARFID)، حيث يتجنب الطفل الطعام أو يقيّده لأسباب لا تتعلق بالخوف من السمنة، بل نتيجة خوف من الاختناق أو القيء، أو بسبب نفور شديد من قوام أو أنواع معيّنة من الطعام. هذا الاضطراب يظهر لدى الذكور بنسبة ملحوظة، ويؤدي بدوره إلى نقص تغذية حاد ومضاعفات صحية خطيرة.

من الناحية النفسية، لا تقل اضطرابات الأكل خطورة عن غيرها من الاضطرابات العقلية، بل تشير بعض الدراسات إلى أن خطر الانتحار لدى المصابين بها قد يفوق خطره لدى المصابين بالاكتئاب. أما جسديًا، فإن آثارها قد تكون مدمّرة، إذ تؤدي إلى تباطؤ النمو، وانخفاض كثافة العظام، وزيادة خطر الكسور، واضطرابات في نبض القلب، واختلال في توازن الأملاح في الجسم. هذه التأثيرات قد تمسّ جميع أجهزة الجسم، لكنها في كثير من الحالات قابلة للعكس إذا تم التدخل مبكرًا.

أما عن أسباب هذا الارتفاع، فيرجّح الخبراء أن اضطرابات الأكل كانت تاريخيًا أقل تشخيصًا عند الأولاد، وليس بالضرورة أقل حدوثًا. إضافة إلى ذلك، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تكريس معايير جسدية غير واقعية، حيث تروّج الفيديوهات القصيرة والمحتوى الرقمي لصورة مثالية للجسد، تركّز على العضلات البارزة ونسبة الدهون المنخفضة. كما ساهمت الثقافة الشعبية، بما في ذلك أفلام الأبطال الخارقين، في ترسيخ نموذج “الجسد المثالي” الذي يصعب تحقيقه دون ضغوط قاسية أو سلوكيات غير صحية.

تختلف طريقة ظهور اضطرابات الأكل عند الأولاد مقارنة بالفتيات. فبينما تميل الفتيات إلى التركيز على النحافة، يميل الأولاد إلى الهوس ببناء العضلات وزيادة الكتلة العضلية، وهو ما قد يتداخل مع ما يُعرف بتشوّه صورة العضلات، حيث يشعر الشاب بأنه غير عضلي بما يكفي مهما بلغ حجم عضلاته. هذا قد يدفعه إلى الإفراط في تمارين القوة ورفع الأثقال، أو استخدام مكملات غذائية خطرة، وأحيانًا اللجوء إلى منشطات غير قانونية.

هناك علامات تحذيرية ينبغي على الأهل الانتباه لها، من بينها انخفاض مفاجئ في الشهية، أو رفض أطعمة كان الطفل يحبها سابقًا، أو الانشغال المفرط بما يُسمّى “الأكل الصحي”. كما قد يظهر سلوك دفاعي أو جدال عند تشجيعه على تناول الطعام، أو يلجأ إلى إخفاء الطعام أو التخلص منه سرًا، أو حتى التقيؤ المتعمّد بعد الأكل. ومن العلامات الجسدية فقدان الوزن غير المبرر، الدوخة، التعب المستمر، الشعور الدائم بالبرد، هشاشة الشعر أو الأظافر، واتساع الملابس بشكل ملحوظ.

إذا اشتبه الأهل بوجود مشكلة، فإن الخطوة الأولى هي فتح حوار مباشر وهادئ مع الابن، بعيدًا عن الاتهام أو اللوم. من المفيد طرح أسئلة صريحة حول مشاعره تجاه جسده وعاداته الغذائية. ولا يوجد دليل على أن هذه الأسئلة تشجّع السلوكيات الضارة، بل على العكس، قد تمنح الطفل مساحة آمنة للتعبير. والأهم من ذلك هو طلب مساعدة مختص في أقرب وقت ممكن، سواء كان طبيب أسرة أو أخصائي صحة نفسية.

الخلاصة

من الضروري التأكيد أن اضطرابات الأكل ليست نتيجة فشل تربوي، بل هي اضطرابات معقّدة تتداخل فيها عوامل نفسية وبيولوجية واجتماعية وثقافية. ما يحتاجه الطفل ليس اللوم، بل الفهم والدعم والتدخل المبكر. فكلما كان الاكتشاف أسرع، زادت فرص التعافي وحماية صحته الجسدية والنفسية على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة