أهمية تقليل السكر في أول عامين من حياة الطفل
تُعدّ مرحلة الألف يوم الأولى من حياة الإنسان، الممتدة من بداية الحمل حتى بلوغ الطفل عامه الثاني، فترة حاسمة في تشكيل صحته المستقبلية. ففي هذه المرحلة تتكوّن الأسس البيولوجية والوظيفية لأجهزة الجسم المختلفة، ويحدث ما يُعرف بـ«البرمجة الأيضية»، أي الطريقة التي يُنظَّم بها تعامل الجسم مع العناصر الغذائية مثل السكريات والدهون على المدى الطويل. وتشير أبحاث حديثة إلى أن تقليل السكريات المضافة خلال هذه الفترة قد يسهم بصورة ملحوظة في خفض خطر الإصابة بأمراض مزمنة في مراحل لاحقة من الحياة، مثل داء السكري من النوع الثاني وارتفاع ضغط الدم.
إن الإفراط في تناول السكر في مرحلة الرضاعة والطفولة المبكرة قد يؤثر سلبًا في العمليات الأيضية الطبيعية. فالاستهلاك المرتفع للسكر قد يساهم في زيادة مقاومة الإنسولين، وهي حالة يصبح فيها الجسم أقل استجابة لهذا الهرمون المسؤول عن تنظيم مستوى السكر في الدم. كما قد يرتبط بزيادة خطر السمنة وتراكم الدهون في الكبد، وهي عوامل تمهّد الطريق لاضطرابات صحية مزمنة في المستقبل.
في المقابل، يساعد الحد من السكريات المضافة في السنوات الأولى على ترسيخ أنماط أيضية أكثر توازنًا واستقرارًا، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على الصحة لعقود طويلة. كما أن الأطفال يولدون وهم يميلون فطريًا إلى تفضيل الطعم الحلو، ولذلك فإن تعريضهم المبكر للأطعمة والمشروبات عالية السكر قد يعزز لديهم هذا التفضيل، ويجعلهم أكثر ميلًا إلى اختيار الأطعمة السكرية في مراحل لاحقة من العمر. أما تأخير إدخال السكر المضاف في غذائهم فيسهم في تنمية تفضيلات غذائية أكثر اعتدالًا وتوازنًا.
ومن الجوانب المهمة كذلك أن معدة الرضيع صغيرة، في حين أن احتياجاته الغذائية كبيرة لدعم النمو السريع للدماغ والجسم. وعندما تُقدَّم له أطعمة غنية بالسكر وقليلة القيمة الغذائية، فإنها قد تحل محل عناصر أساسية يحتاج إليها، مثل البروتينات، والألياف، والدهون الصحية، والفيتامينات والمعادن الضرورية للنمو السليم.
وتشير بعض الدراسات إلى أن الأشخاص الذين تعرّضوا لكميات أقل من السكر في بدايات حياتهم، حتى في حال إصابتهم بأمراض مزمنة لاحقًا، قد تظهر لديهم هذه الأمراض في سن متأخرة مقارنةً بغيرهم. كما يرتبط تقليل السكر في الطفولة المبكرة بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب الخطيرة في مرحلة البلوغ، مثل النوبات القلبية، وقصور القلب، والسكتات الدماغية.
لذلك، فإن توعية الأهل بأهمية الحد من السكريات المضافة في أول عامين من حياة الطفل تمثل خطوة وقائية بالغة الأثر. فبناء عادات غذائية صحية منذ البداية لا يحمي الطفل في حاضره فحسب، بل يضع أساسًا متينًا لصحة أفضل في مستقبله.
