أب يحوّل الألم إلى أمان: منصة رقمية آمنة لآلاف الأطفال من ذوي التوحّد

 أب يحوّل الألم إلى أمان: منصة رقمية آمنة لآلاف الأطفال من ذوي التوحّد

في عالم الألعاب الإلكترونية المفتوحة، حيث تختلط المتعة أحيانًا بالتنمّر والإساءة، برزت تجربة إنسانية لافتة تؤكد أن الفضاء الرقمي يمكن أن يكون آمنًا وشاملًا إذا أُدير بوعي ومسؤولية. فقد قام مطوّر ويب كندي يُدعى ستيوارت دنكن بإنشاء خادم خاص للعبة ماينكرافت مخصص للأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحّد، بعد أن تعرّض ابنه للتنمّر في منصات الألعاب العامة.

بدأت القصة عندما لاحظ الأب أن ابنه، وهو طفل مصاب بالتوحّد، كان يجد صعوبة في التفاعل داخل خوادم الألعاب التقليدية بسبب السخرية والتنمر وسوء الفهم. وبما أن الأطفال من ذوي التوحّد قد يكونون أكثر حساسية للتفاعل الاجتماعي العدائي، تركت هذه التجارب أثرًا نفسيًا مؤلمًا على الطفل. عندها قرر الأب ألا يكتفي بحماية ابنه فقط، بل أن يخلق مساحة آمنة للأطفال الذين يواجهون التحديات نفسها.

أنشأ ستيوارت دنكن خادمًا خاصًا أطلق عليه اسم “أوتكرافت”، وهو خادم مغلق لا يمكن الدخول إليه إلا بعد الموافقة المسبقة، ويخضع لإشراف ومراقبة مستمرة. يعتمد الخادم على نظام صارم يمنع الإساءة اللفظية والتنمر والسلوك العدواني، ويشجع على الاحترام المتبادل والتعاون. كما يتم إشراك العائلات في عملية الإشراف لضمان بيئة داعمة ومستقرة للأطفال.

مع مرور الوقت، لم يبقَ الخادم مساحة صغيرة، بل توسّع ليضم أكثر من سبعة عشر ألف لاعب معتمد من الأطفال والمراهقين من ذوي التوحّد، إضافة إلى أفراد من عائلاتهم. أصبح “أوتكرافت” مجتمعًا رقميًا متكاملًا يتيح للأطفال اللعب والتواصل وبناء العوالم الافتراضية دون خوف من السخرية أو الإقصاء، وهو أمر بالغ الأهمية لتطورهم الاجتماعي والنفسي.

تُعد هذه التجربة مثالًا حيًا على كيف يمكن للقواعد الواضحة والإدارة الحكيمة أن تجعل الإنترنت أكثر شمولًا للأشخاص ذوي الاختلافات العصبية. فالنجاح لم يكن في اللعبة نفسها، بل في خلق ثقافة قائمة على التفهم، والصبر، واحترام الفروقات الفردية. وقد أظهرت التجربة أن الأطفال من ذوي التوحّد، عندما يُمنحون بيئة آمنة، يكونون قادرين على الإبداع والتواصل وبناء صداقات حقيقية.

تسلّط هذه القصة الضوء على أهمية تصميم مساحات رقمية تراعي احتياجات جميع المستخدمين، لا سيما الفئات الأكثر عرضة للتنمر. كما تبرز دور الأهل والمجتمع في تحويل التجارب السلبية إلى مبادرات إيجابية تُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الآخرين.

الخلاصة

يبرهن مشروع “أوتكرافت” أن الأمان الرقمي ليس رفاهية، بل ضرورة، وأن القواعد العادلة والإدارة الواعية قادرة على تحويل الإنترنت من مصدر أذى إلى مساحة دعم وانتماء، خاصة للأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحّد الذين يستحقون بيئة تحترمهم وتفهم اختلافهم.

مقالات ذات صلة